#adsense

انتخاب الرئيس يحتاجُ إلى “حالة” مسيحيّة بـ”تصرّف” البطريرك

حجم الخط

بين سعد الحريري ومقولة “الصوت الوازن” والمبادرة العربية
ومقولة “الصوت المرجّح”.. إعتراف عربي إسلامي بالدور المسيحي

انتخاب الرئيس يحتاجُ إلى “حالة” مسيحيّة بـ”تصرّف” البطريرك 
نصير الأسعد

 

في المبادرة العربية “أُعطي” رئيس الجمهورية “فوق” ما يعطيه إيّاه الدستور من صلاحيّات.
الدستور يُعطي الرئيس الصلاحيّات التي تجعل منه حكَماً بين المؤسسات وبين اللبنانيين. أمّا المبادرة العربية فقد أعطته حقّ الترجيح. ولعلّها انطلقت من “تفسير” معنى الحكَم فاعتبرت انّ الرئيس لا يمكنه أن يؤدي دور الحكم ما لم تكن له كفّة الترجيح. وهكذا صار الرئيسُ الحكَم مرادفاً للرئيس المرجّح.


المبادرة العربية: الرئيس الحكَم الرئيس المرجّح


والدستور لا يُعطي الرئيس حقّ التصويت في مجلس الوزراء عندما يحضر جلساته. أمّا المبادرة العربية فتعطيه الصوت المرجّح عبر وزراء يدخلون إلى الحكومة على خانته.


قبل المبادرة العربية، ومن أجل تمكين الرئيس من أن يلعب دوراً “استثنائياً”، دعا زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري إلى أن يكون لرئيس الجمهورية ما سمّاه “الصوت الوازن” في الحكومة. وتبنّت حركة 14 آذار هذا الطرح، وانطلقت منه في جميع المفاوضات “خلال” المبادرة الفرنسية.


سعد الحرري: الرئيس الحكم و”الصوت الوازن”


بين “الصوت الوازن” الذي طالب به الحريري و”كفّة الترجيح” التي شدّدت عليها المبادرة العربية، ثمّة موقفٌ يدعم تعزيز دور رئيس الجمهورية. وبما أنّ رئيس الجمهورية ماروني، فإنّ المطروح بالفعل هو تعزيز الموقع المسيحي الأول في الشراكة الوطنية. غير انّ ثمّة جانباً آخر من الموضوع. فسعد الحريري زعيمٌ لبنانيّ مُسلم يعلنُ دعمه لدور رئيس الجمهورية المسيحي، ومعه مسيحيو 14 آذار، لكنّ مسلمي الحركة الاستقلالية معه “قبلَ” المسيحيين. وكما قال القيادي البارز في 14 آذار النائب السابق فارس سعيد في مقابلة إعلامية أول من أمس، فإنّ دعم الجامعة العربية للرئيس الماروني في لبنان يعني انّ نصف مليار مُسلم يقفون خلف الرئاسة المسيحية في لبنان.


العرب المسلمون يتمسّكون بالدور المسيحي


الاستنتاج الأول هو انّ النظام العربي بمبادرته إنّما يعلنُ بوضوح ما بعدَه وضوح “ايمانه” بـ”الصيغة” اللبنانية وتمسّكه بها. وبعيداً من “الإنشاء” حول فرادة هذه الصيغة، فانّ ما يعبّر النظام العربي عنه في المبادرة هو انّ الصيغة اللبنانية حاجةٌ عربية ـ وإسلامية ـ بامتياز.


وبكلام آخر، يعبّر النظام العربي عن “مصلحة”. و”المصلحة” هنا لا تخفى: في ظلّ ما يشهده العالم العربي ـ والإسلامي ـ مِن أحداث وتطرّف، يشكّل لبنان نموذجاً ومتنفّساً في آن.


عندما دخلت المنطقة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 في دوّامة الاحتلالات وأعمال العنف والإرهاب، كان التداول يجري همساً في لبنان وفي غير مكان من المنطقة، في انّ التطوّرات ستؤدّي إلي ترجيح كفّة السنّة. قيل ذلك على أساس انّ الشيعة في العراق كانوا المستفيدين من الاحتلال ومن سقوط نظام صدّام حسين، وانّ “تعويضاً” سيمنح للسنّة في دول أخرى بينها لبنان، لا بل قيل آنذاك إنّ “المنطقة ستتكلّم سنّي”. وقيل ذلك أيضاً على أساس انّ مواجهة التطرّف الإرهابي الذي يغلّف نفسه إسلامياً سنّياً، ستكون مِن جانب الإعتدال السنّي.


لكنّ النظام العربي “كذّب” بمبادرته كل تلك التوقعات بالنسبة إلى لبنان خصوصاً. فالمبادرة المنحازة إلى الصيغة اللبنانية تؤكّد على الدور المسيحي في لبنان، وعلى دور لبنان بمسيحييه في المنطقة ككل.


والإستنتاج الثاني ـ بالتوازي ـ هو انّ مسلمي لبنان، سنّته، يتمسّكون بالصيغة وبـ”النكهة” المسيحية وبالدور المسيحي، وليس لهم، خلافاً لاتهامات “سياسية” مغرضة، مشروع لـ”أسلمة” البلد ونظامه السياسي. لا بل انّ مسلمي لبنان بكافة مذاهبهم يتمسّكون بالصيغة، إلا من وضَع نفسه منهم خارج “التلبنن”.


المبادرة العربية “ملحق” لاتفاق الطائف


أمّا الإستنتاج الثالث المبنيّ على الإستنتاجَين الآنفين، فهو انّ مسيحيي لبنان أمام فرصة “تاريخية”، في ظلّ “الإعتراف” العربي ـ والإسلامي ـ المتجدّد بدورهم لبنانياً وعربياً، وبـ”رئاستهم” للبنان، وفي ظلّ “الإعتراف” الإسلامي اللبناني بذلك أيضاً. وبكلام أوضح، إذا كان اتفاق الطائف نظّم العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية وحدّد قواعد الشراكة وعالج مطلب “المشاركة” (الإسلامي آنذاك) عبر تحديد مجلس الوزراء مركزاً للمشاركة الجماعيّة على قاعدة المناصفة، فانّ المبادرة العربية يصحّ أن توصف بانّها بمثابة “ملحق” لاتفاق الطائف.. حتى على افتراض انّ المبادرة تقدّم حلاً سياسياً مباشراً لأزمة سياسية، أي حتّى لو أنها ليست في معرض صياغة بنود ميثاقية.


عون من لبنان إلى ..”مارونستان”!


حيال هذه التطوّرات جميعاً، أي حيال كلّ المعاني التي تتضمّنها المبادرة العربية كما مواقف سعد الحريري و14 آذار، يستمرّ الجنرال ميشال عون في سلوك درب التعطيل.


عندما أيقن عون انّ وصوله إلى سدّة الرئاسة “إستحالة”، انتقل من مشروع رئيس للبنان إلى مشروع رئيس على “مارونستان” (مجازاً). بمعنى آخر إنتقل من ادعاء إمتلاك “الحلّ” إذا صار رئيساً وبالاستناد إلى “ورقة التفاهم” مع “حزب الله”، إلى الحديث عن “حقوق المسيحيين” المهدورة.


لا حاجة هنا إلى التأكيد المتكرّر على الدور الذي يؤدّيه الجنرال ضمن الخطّة التعطيلية التخريبية السورية. لكنّ ما يلفت ـ في الإطار المسيحي المحدّد ـ انّ عون يطرح على المسيحيين الإنتقال من “الوطن” إلى الكانتون”، كالذاهب إلى الحج “والناس عائدون”، أي فيما “التجربة المسيحية” في العقود الأخيرة إنتهت من “الكانتون” إلى “الوطن”. وفي سياق توجّهه هذا، ليس فقط يعادي عون كلّ المجموعات السياسية المسيحية، بل يواجه الكنيسة ويرفضُ أيّ دور للبطريرك حتّى في مجال “تعريف” حقوق المسيحيين، ووصل به الأمر حدّ محاولة تنظيم “إختراق” داخل الكنيسة لم يُكتب له النجاح.


حقوق المسيحيين تبدأ برئاسة الجمهورية


حقوق المسيحيين تبدأ برئاسة الجمهورية، فكيف إذا كان الرئيس يتمتّع بقوة مدعومة لبنانياً وعربياً وإسلامياً؟. وحقوق المسيحيين تتعزّز بتعزّز الموقع المسيحي في الشراكة الوطنية. وهل يفرّط العماد ميشال سليمان المدعوم على نطاق واسع محلياً وخارجياً بحقوق المسيحيين، خاصة في ظلّ الاعتراف بـ”كفّة الترجيح”؟. وحقوق المسيحيين “تُستكمل” بقانون إنتخاب يفسح في المجال أمام إنتاج تمثيل سياسي حقيقي، فكيف لا يتحقّق ذلك بحكومة يملك الرئيس سليمان الصوت المرجّح فيها؟.


“الحالة المسيحية” المطلوبة بـ”تصرّف” البطريرك
طبعاً مِن نافل القول إنّ تلطّي النظام السوري وإيران و”المعارضة” خلف الجنرال لا علاقة له بـ”حقوق المسيحيين”. وهذا التلطّي سببُه انّ دمشق وطهران و”المعارضة” تعتبره ناجحاً وكيف لا تعتبره كذلك عندما يتصدّر تيار مسيحي تعطيل إنتخاب الرئيس الماروني للجمهورية؟.


لذلك، ومن أجل مساعدة المبادرة العربية التي تساعد لبنان و”تضمن” المسيحيين، لا بدّ من “حالة” مسيحية ترفض ما “يأخذ” عون المسيحيين إليه. فهو لا يكتفي بـ”أخذهم” إلى محور سوري ـ إيراني إقليمياً، بل “يأخذهم” ـ للتعمية على ذلك الإلتحاق الإقليمي ـ إلى العزلة أو التصادم مع سائر الطوائف، بل قبل ذلك وأثناءه وبعده يأخذهم إلى تصادم مع الكنيسة.


هذه “الحالة المسيحية” موجودة والبطريرك على رأسها. وهي موجودةٌ بأدبيّاتها وتحديداً في مقرّرات المجمع الماروني. وهي موجودةٌ في الفاعليات السياسية والأهلية الرافضة لـ”الإنتحار السياسي”. وموجودةٌ بالموقف الداعم للعماد ميشال سليمان ولإنتخابه فوراً.


بيد انّ هذه “الحالة المسيحية” تلزمها “هجوميّة” أكبر. ولا بدّ أن تتضافر مكوّناتها من أجل إخراج الجمهور المسيحي كلّه من المشروع السوري، ومن أجل إستعادة كلّ المسيحيين إلى نصاب الدولة والنظام السياسيّ.


ولعلّ الهدف الذي ينبغي السعي إلى تحقيقه هو أن يضع القادةُ المسيحيون والنوّاب المسيحيون أنفسهم بـ”تصرّف” البطريرك كي يكونوا بعد ذلك بـ”تصرّف” العملية الدستورية. وإذذاك يسلم المسيحيون ولبنان مِن “الأذى العونيّ المستطير”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل