#adsense

موجة الصقيع في “بورصة” الأعباء اللبنانية

حجم الخط

موجة الصقيع في “بورصة” الأعباء اللبنانية

  

كأن اللبنانيين لا تكفيهم المصائب التي ينزلها بهم السياسيون من قهر وتهديد يومي في لقمة العيش والامان والسلام، حتى حلت بهم منذ اسبوع ونيف موجة البرد القارس التي استنفذت كل ما في اقبيتهم من حطب أعدوه طعما لنيران “البابور والوجاق” وكل ما في خزّاناتهم من مازوت للتدفئة، اضافة الى ارتفاع فاتورة الكهرباء في شكل كبير نتيجة الانقطاع المستمر في التغذية الكهربائية وتعمد اصحاب المولدات الخاصة الى رفع اسعار الكهرباء التي يبيعونها بارقام خيالية.


لا حديث للبنانيين هذه الايام الا موجة الصقيع والبرد القارس. واذا كان علماء الطقس والارصاد الجوية يردون سبب هذه الموجة  التي تضرب لبنان والشرق الاوسط الى التغييرات المناخية الناجمة عن الاحتباس الحراري في عالمنا والكرة الارضية في شكل عام، الا ان اللبنانيين يردون سبب هذه الموجة الى اسباب غير زمنية نتيجة سياسة الزعماء واطماعهم والتي اورثت اللبنايين هذا “الانتقام” من الطبيعة، والا ما تفسير انقطاع المطر والثلوج في عز كانون الثاني، وهو “فحل الشتاء” الذي درجت امنا الطبيعة خلاله ان تتكرم علينا بتفجر الينابيع من باطن الارض وعودة مياه الانهر الى مجاريها بعد حرارة التشرينين وامطار كانون الاول الخجولة.


في بورصة اللبنانيين من سكان القرى والبلدات ان لكل شيء سعره وخصوصا في ايام العسر والمحل، بحيث سجل طن الحطب الخاص بالتدفئة سعرا مرتفعا جدا بلغ 160 دولارا اميركيا. ويعني ذلك في حسابات من لا يزالون يستعملون حطب السنديان والملول والبطم للتدفئة ان العائلة تحتاج الى حوالي ثلاثة اطنان من الحطب لتمضية فصل الشتاء ومناخه البارد جدا، والذي تبدأ نسماته القارسة في الارياف اعتبارا من شهر تشرين الثاني، بحيث يفترض ان يبدأ اشعال وسائل التدفئة على الحطب كل ليلة لقضاء السهرة، وعند كل صباح قبل الانطلاق الى العمل. ولا تنتهي مراسم اشعال النيران للتدفئة قبل نهاية شهر آذار الذي قال فيه الكاتب الشعبي سلام الراسي “بآذار طيلع بقراتك على الدار” في دليل على تبدل المناخ واعتداله. لكن قبل اخراج البقرات الى الدار لا بد من تدفئة الصغار والعجزة في البيت وهذا ما يعني مزيدا من النفقات على ارباب الاسر في الارياف والذين لم يتبق منهم في البلدات والقرى الا الفقراء وما تبقى من الموظفين والعسكريين والمتقاعدين والعاطلين عن العمل من العجزة والمعوقين والمرضى.


اما مادة التدفئة الاخرى وهي المازوت فحدث ولا حرج عن الارتفاع المتواصل في اسعارها بحيث جاور سعر الطن الواحد من المازوت الازرق حوالى 900 دولار اميركي، في حين ان سعر الطن من المازوت الاحمر يتراوح ما بين 700 الى 800 دولار، ويشاع ان نوعية الاحمر سيئة جدا وتسبب مشكلات في حرّاقات المازوت. وتعني هذه الاسعار المرتفعة للمازوت ان سكان المدن اللبنانية على الساحل وفي الجبل، والذين يستعملون المازوت للتدفئة بواسطة الشوفاج، يجدون انفسهم في وضع صعب جدا، تستنزف فيه التدفئة ما تبقى من امكاناتهم المالية المنهكة اصلا نتيجة تراكم الاعباء والارتفاع الكبير في اسعار مختلف السلع والمواد المعروضة.

 

وفي حساب بسيط فان اي عائلة تضم اطفالا صغارا كانوا ام كبارا انما تحتاج الى اشعال المازوت للتدفئة خلال نصف ساعات النهار، اذا كان الطقس باردا كما هذه الايام، ويعني ذلك انها ستحتاج الى طن واكثر من المازوت لتمضية فصل الشتاء “بالتي هي احسن” قبل ان يتجمد الاطفال من الصقيع وتصيبهم مختلف اعراض الزكام والرشح والانفلونزا الناجمة عادة عن الرطوبة والطقس البارد. اما وسيلة التدفئة الاخرى اي الاجهزة الكهربائية مثل المكيفات ومولدات انتاج الهواء الساخن، فان قدراتها محدودة وهي لا تفي بالحاجة الى التدفئة المستمرة داخل المنازل على مدار النهار او خلال الساعات التي يحتاج خلالها السكان الى التدفئة، وربما كانت الامور اقل وطأة لو ان مؤسسة كهرباء لبنان تؤمنها على مدار الساعة للمشتركين، لكن التيار في انقطاع دائم واصحاب المولدات يقتنصون هذه الفرصة لتوسيع اعمالهم وزيادة مداخيلهم، وسجل سعر 5 كيلوات الكهرباء حوالي 60 دولارا اميركيا في بعض المناطق مقارنة مع 35 قبل موجة الصقيع، وحجة اصحاب المولدات ان اسعار المازوت ارتفعت في شكل كبير وانهم مجبرون على زيادة اسعار الكهرباء خاصتهم. وتاليا فان المولدات الكهربائية الخاصة تبقى عاجزة عن تلبية حاجات المواطنين الى الكهرباء وخصوصا عندما يحتاج الامر الى استعمال الكهرباء في التدفئة.


عادة كان اللبنانيون يتسمرون امام شاشات التلفزيون للاستماع الى نشرات الاخبار وما تقدمه بداية من تحليل سياسي للوضع. لكن من الواضح ان غالبية اللبنانيين اعتكفوا عن متابعة الاخبار طالما ان اليوم مثل الامس وغدا مثل اليوم. تنتظر الاكثرية الساحقة اليوم نشرة الاحوال الجوية ومذيعاتها الجميلات اللواتي يقدمن كل ليلة ومع ابتسامة عريضة احوال الطقس المتوقعة ودرجات الحرارة في مختلف المناطق وما اذا كان الطقس سيكون غائبا ام ممطرا ام صافيا. والاكيد ان مذيعة الاحوال الجوية هي اكثر شعبية اليوم من اكثرية السياسيين. 
   

 بيار عطاالله

المصدر:
النهار

خبر عاجل