هل من “معجزة” عربية جديدة؟
صلاح سلام
بعيداً عن مقاييس “التشاؤل” المتحكمة بمزاج اللبنانيين هذه الأيام، خاصة بعد “النكسة” التي أصابت المبادرة العربية الأخيرة، لا بد من الاعتراف بأن الأزمة اللبنانية هي رهينة في دوامة الصراع الإقليمي – الدولي المحتدم في المنطقة بيد المحور الإيراني – السوري من جهة، والمحور الأميركي – الأوروبي من جهة ثانية·
والاعتراف بهذا الواقع المؤلم يسحب ملف الوطن الصغير من زواريب السياسة المحلية ومناوراتها التافهة، ليضعه في إطاره الخارجي الواقعي، والصحيح، راسماً بذلك الأبعاد الحقيقية لمحنة وطن وشعب، قابلة للتجدد والاستنساخ من جديد، كلما لاحت بوادر صراعات خارجية في ساحات هذا البلد المسكين!·
والتسليم بتداعيات العوامل الخارجية على أزمتنا الداخلية المتمادية، يعني أولاً تسليماً بعجز الأطراف اللبنانية عن التوصل الى الحلول المنشودة، لأنها لا تملك حرية الحركة ولا استقلالية القرار، وهذا التسليم يعني ثانياً وثالثاً ورابعاً أن المطلوب توجيه المساعي والمبادرات ليس الى الداخل اللبناني، بل الى الخارج الإقليمي والدولي الذي يتحكم بمفاصل الحركة السياسية اللبنانية، ويمتلك مفاتيح الانفراج والحل··· أو القدرة على الدفع نحو التصعيد والتوتير والانفجار!·
ترى هل تسرّع الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى بالمجيء الى بيروت قبل التوقف في المحطات الإقليمية وخاصة دمشق؟·
يبدو أن الدبلوماسي العربي المخضرم اعتمد على تسلحه بالإجماع العربي، المعزز بالمشاركة السعودية – السورية بالذات في صياغة المبادرة العربية وإقرارها، عندما قرّر التوجه الى بيروت لترجمة بنود المبادرة الى خطوات عملية تنفيذية تنهي الفراغ الرئاسي بتأمين انتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان وتؤمن خروج الشقيق الأصغر من دوامة أزمة طال أمدها، وذلك بتشكيل حكومة وحدة وطنية لا استئثار فيها لفريق، ولا قدرة لطرف فيها على التعطيل، وتطلق العملية السياسية على الدرب الصحيح من خلال التوافق على قانون انتخابات جديد يرضي المسيحيين أولاً وينال موافقة المسلمين ثانياً!·
ولا ندري إذا كان قد فات الأمين العام للجامعة، وهو المجرّب وصاحب الخبرة العريقة في الخلافات العربية – العربية، أن يقرأ الرسائل الأمنية التي كانت قد سبقت وصوله الى بيروت بدءاً من الكاتيوشا في الجنوب الى الظهور المفاجئ لتهديدات العبسي ضد الجيش وقائده “المرشح التوافقي” الى العملية التي استهدفت إحدى مجموعات اليونيفل على طريق بيروت – صيدا الدولي، وفي عز النهار··· وعلى مسافة ليست بعيدة من حاجز الجيش اللبناني!·
ولا ندري إذا كان مساعدو الأمين العام للجامعة قد أطلعوه على التصريحات المتبادلة بين وزيري خارجية مصر وسوريا، وهما من أقطاب المبادرة، وما تضمنته من إشارات ذات مدلول كبير، وصلت الى حد اعتبار الوزير المصري أن نجاح المبادرة العربية في لبنان يساعد على عقد ونجاح القمة العربية في سوريا، وما رد به الوزير السوري من رفض دمشق لانعقاد القمة على أراضيها إذا كانت على حساب مواقف ومصالح سوريا!·
ألم تكن تلك الرسائل الأمنية المتتالية، وما أعقبها من “تراشق” دبلوماسي مباشر بين القاهرة ودمشق، بمثابة مؤشرات كافية لقراءة نتائج مهمة موسى في بيروت قبل أن يبدأ جولاته على “القيادات الروحية والسياسية”؟!·
طبعاً من المبكر القول إن مهمة موسى قد فشلت في بيروت، وليس دقيقاً القول إن المبادرة العربية “غرقت” في السجالات اللبنانية والتفسيرات المتناقضة·
لأن التعثر الذي أصاب المساعي العربية لفكفكة عقد الأزمة اللبنانية، سببه أجواء التوتر والضغوطات المتبادلة عربياً – عربياً، وإقليمياً – دولياً، خاصة بعد التصريحات النارية التي افتتح بها الرئيس الأميركي جورج بوش جولته الحالية في المنطقة مهدداً سوريا وإيران بالويل والثبور، دون أن يأخذ بعين الاعتبار مواقف الدول العربية التي سيزورها، ولا طبيعة علاقاتها المستجدة مع طهران!·
غير أنه لم يعد خافياً أن أجواء التعثر الخارجية انعكست شكل ظاهر على مواقف المعارضة عناداً وتصلباً في تفسير بنود المبادرة العربية والتعامل معها، الأمر الذي وضع عمرو موسى أمام حقيقة لا يستطيع القفز فوقها: لا بد من الاتفاق على التفاصيل مع دمشق قبل التوجه من جديد الى بيروت، لأن مفتاح الحل في عاصمة الأمويين وليس في الرابية··· ولا حتى في الضاحية!·
والسؤال هنا لا يكون بصيغة: هل دمشق تريد حلاً في لبنان؟ لأن المسألة الأهم تبقى في البحث عن “الثمن” الذي تسعى إليه دمشق مقابل تسهيل الحل في لبنان!·
ليس من السهل على الدبلوماسي العربي المحنّك عمرو موسى أن يخوض نقاشاً مع السوريين عن “الثمن” الذي يريدونه في لبنان، لأن مثل هذه المهمة تبقى من مسؤولية اللبنانيين أولاً وأخيراً، وخاصة فريق الأكثرية الممسك بزمام السلطة في هذه المرحلة، والذي يدرك أكثر من أي طرف خارجي، سواء أكان عربياً أم أجنبياً، حجم “الثمن” القادر على تقديمه الى الجار السوري مقابل فك أسر الوطن من أزمة المنطقة، وتأمين حالة من الأمن والاستقرار تتيح للبنانيين فرصة التقاط الأنفاس، قبل الدخول في معترك انتخابات صيف العام المقبل·
العالمون ببواطن الأمور في فريق 14 آذار يدركون جيداً أن ثمة مطلبين أساسيين لسوريا مقابل أي تجاوب مع مساعي حلحلة العقد اللبنانية·
المطلب الأول: المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري·
المطلب الثاني: مراعاة وضع حلفاء دمشق في الحركة السياسية وتركيبة السلطة بما يؤمن حالة من “التناغم السياسي” بين بيروت ودمشق في ملفات داخلية وخارجية على السواء·
ثمة من يرى في فريق المعارضة أن دمشق لم تحصل بعد على الضمانات الكافية لعدم استخدام المحكمة الدولية كسيف مسلط بيد الأميركيين ضد النظام وأركانه الأساسيين، لتغيير المواقف السورية من الملفات الأساسية في المنطقة، لا سيما الملف النووي الإيراني فضلاً عن الاحتلال الأميركي في العراق·
ويبدو أن ترشيح العماد سليمان للرئاسة الأولى لم يكن كافياً بالنسبة لدمشق للاطمئنان الى وضع حلفائها في التركيبة السياسية في الفترة المتبقية على الانتخابات النيابية المقبلة، وأن الإصرار على الإمساك بالثلث المعطل في الحكومة العتيدة الهدف منه التحكم بمسار اللعبة السياسية، وتعطيل أي قرار تحاول الأكثرية الحالية اتخاذه داخل مجلس الوزراء إذا كان لا ينسجم مع توجهات السياسة السورية·
وبكلام أوضح فإن دمشق تريد اعترافاً عربياً، وربما دولياً لاحقاً، بـ”نفوذ سياسي فاعل” في لبنان لدواعي ومبررات تتصل “بأمن النظام واستقرار الداخل السوري”·
ويبقى السؤال:
هل تستطيع الأكثرية الحالية تقديم ما تريده دمشق··· أم أن الأزمة مستمرة حتى انتخابات 2009 التي تراهن عليها الأقلية الحالية لتصبح أكثرية··· وتمسك بزمام السلطة كاملاً، ربما من دون التوقف عند شعار “الثلث الضامن” للشركاء في الوطن؟!·
بانتظار ظهور الخيط الأبيض، لا بد من دعم مهمة موسى، إذا لم يكن من أجل بلوغ شاطئ الحل، فعلى الأقل من أجل الحفاظ على الهدوء الراهن، وتقطيع الوقت الضائع بالتي هي أحسن· لعل الاجتماع المقبل لوزراء الخارجية في 27 كانون الجاري يستولد معجزة تفتح باب الحل في لبنان، وتؤمّن انعقاد القمة العربية في دمشق!·