بين “أفضال” المبادرة العربية .. كشف “المخبأ” من الأهداف!
محمد مشموشي
قبل زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى للبنان، كان حديث المعارضة يتمحور حول الحاجة الى تفسير مبادرة وزراء الخارجية العرب. أما بعدها، فلا تفسير لهذه المبادرة سوى “تفسير” المعارضة الوحيد .. القائم، بتلميحات من هنا وهناك، على ما يمكن وصفه بـ”حرب الغاء” جديدة ولكن هذه المرة لاتفاق الطائف، واذا للدستور كله، بدعوى الرغبة في تعديله لاستعادة صلاحيات أخذت من رئيس الجمهورية. وبعد غد، عندما يعود موسى الى بيروت، لن يكون في وسع أحد أن يعرف أي “سلاح” سيستخدم (جرى التهديد بأنواع منه سابقا) في هذه الحرب.
ذلك أنه لا معنى للقول بـ”المثالثة” المتساوية داخل مجلس الوزراء، ولا للدعوة الى تحويل بيان الجامعة الى “وثيقة مكتوبة”، ولا للقول بـ”سلة متكاملة” حكومية وسياسية وادارية قبل انتخاب رئيس الجمهورية، الا معنى اعادة عقارب الساعة الى الفترة التي سبقت عقد اتفاق الطائف بكل ما احتوته من “حروب” تحرير والغاء واكراه للنواب وللمجلس النيابي مما لم يتقادم في ذاكرة العديد من اللبنانيين بعد.
ولا معنى، في الوقت نفسه، للتلميحات التي لم تعد تحتاج الى تفسير من رئيس “التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون وبعض كوادره، ولا للصمت “الناطق” والاختباء المثير للظن من “حزب الله” وراء عون، ولا للحديث الأخير عن “نيابة رئيس الجمهورية” من نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، الا معنى استغلال حالة “الفراغ” في موقع رئاسة الجمهورية والفرصة التي أتيحت (المعارضة وحدها كانت وراءها) لمواصلة السير في هذا الاتجاه.
يحدث ذلك بينما لا تحتاج مبادرة الجامعة العربية الى “قاموس”، كما قال عمرو موسى، ولا الى “وثيقة” لبنانية مكتوبة لأنها جلية المعالم وواضحة الأهداف كما يأتي:
أولا: انها مشروع تسوية لأزمة آنية حالت دون انتخاب رئيس للبلاد، واذا فهي ليست دستورا جديدا ولا تعديلا للدستور ولا حتى عرفا جديدا، انطلاقا من رغبة عربية عارمة بمد يد المساعدة الى اللبنانيين من جهة ولعجز الطبقة السياسية اللبنانية عن “التوافق” في ما بينهم برغم المساعي العديدة في الداخل ـ تنازلات الغالبية الكثيرة ـ ومن الخارج بعد ما انتهت اليه المبادرة الفرنسية والمحاولات الأوروبية والتركية وغيرها.
ثانيا: انها عملية “تجميع” للمواقف والمطالب المعلنة من الأطراف اللبنانية، قصد منها الوزراء العرب هدم الجدران القائمة بين هذه الأطراف وحددوا لها ترتيبا معينا في سلم الأولويات ولكن هذه المرة برعاية اجماعية عربية، هي ضمانة رسمية من أعلى المستويات، لتأكيد صعود درجات هذا السلم من أولها الى آخرها. فاذا كان انتخاب رئيس الجمهورية متوقفا على تقاسم الحصص في الحكومة، واذا كان التقاسم متوقفا على حجم هذه الحصص خشية “الاستئثار” من جهة وخشية “التعطيل” من جهة ثانية، فمبادرة الجامعة انما تضع الخشيتين على قدم المساواة وتقدم حلا لهما، من دون نسيان الشعار الذي بات مملا حول قانون انتخابات جديد في فترة لاحقة.
ثالثا: انها مشروع “مصالحة” عربية، ولو جزئية ومؤقتة، لا تحل العدد الضخم من الاشكالات بين دول الجامعة العربية الا أنها تساهم (أو يفترض ذلك ؟) في التقريب بين الأطراف المختلفة في لبنان. واذا لم يكن أحد من العرب يعترف، أو يقبل فرضية، ممارسته ضغوطا من أي نوع على “أصدقائه” في لبنان لتسهيل التسوية، ففي المبادرة الاجماعية العربية ما يفيد بأن أحدا ليس في وارد ممارسة ضغوط لابقاء الوضع على حاله وعدم ايصال اللبنانيين الى تسوية.
رابعا: انها تعبير عن نوايا عربية حسنة تجاه لبنان والتزام باستقلاله وسيادته وحريته من جهة، الا أنه تجسيد لحجم الخطر الذي يشكله في وضعه الراهن (واحتمالاته المقبلة) على دول العالم العربي قاطبة من جهة ثانية. ولا حاجة الى القول أن “عش الدبابير” الذي فتحت نوافذه أزمة لبنان الراهنة ليس الا صورة مقزمة لما سيكون عليه حال العالم العربي وحال كل دولة فيه على حدة.
في ضوء ذلك يصبح ملحا السؤال: ماذا تفعل المعارضة حاليا، أو أقله بعضها، وماذا عمليا تريد أن تصل بالبلاد؟!.
كان الظن في السابق أن التهمة التي توجهها الغالبية الى المعارضة، بأنها تريد زج البلد في حال دائمة من الفراغ والفوضى، هي مجرد تهمة في سياق السجال السياسي القائم منذ نحو عامين من الآن.
بل أكثر من ذلك، كان الظن بأن المعارضة، أو هذا البعض فيها، انما يسعى الى تحسين شروطه في التسوية التي لا بد أن يصل اليها اللبنانيون في النهاية، وأن الحديث عن “المشاركة الحقيقية” هو حديث جدي لن يلبث أن يتوقف عندما تتوفر مثل هذه المشاركة، خصوصا وأنها فترة شهور قليلة تفصل البلد عن الموعد الدستوري للانتخابات النيابية العامة في ربيع العام 2.9.
الا أن هذا الظن، على المبالغة فيه في بعض الأحيان، لم يعد ليستقيم ولا ليقبله عاقل أو حامل نية حسنة بعد أن بات واضحا، من خلال الردود الملتبسة ـ مرحبة ومعرقلة في وقت واحد !! ـ على المبادرة العربية، أن “قضية” المعارضة (هل هي قضية فعلا؟!) تكمن في مكان آخر. وهذا المكان ليس سوى اعلان الحرب على اتفاق الطائف، الذي هو الدستور، لأهداف متعددة ومتنوعة تظن أطراف المعارضة أن بعض هذه المعارضة انما يخدم البعض الآخر فيها من دون أن يكلف نفسه عناء، أو عبء، المجاهرة بوجودها في خلفية رأسه أو في جدول أعماله المضمر.
وليس من المبالغة في شيء اعتبار أن “الكلام الكبير” الذي يردده البعض، تارة باسم مقاومة مشروع “الشرق الاوسط الكبير” وأخرى باسم الوقوف في وجه الهجمة الأميركية على المنطقة وثالثة باسم الدفاع عن لبنان “الديموقراطية التوافقية” ورابعة باسم “المشاركة الحقيقية” وضرب “الاستئثار” بالسلطة، ليس الا من صنف التغطية على تلك الأهداف المبيتة.
ولن يكون من المبالغة، في الوقت نفسه، اعتبار أن المبادرة العربية شكلت أقله حتى الآن (برغم أنها ما تزال في بدايتها) خطوة ولكن معبرة في اتجاه تعرية هذه التغطية تمهيدا لكشفها نهائيا في مرحلة لاحقة.
… ومن أجل ذلك، فضلا عن الأمل الباقي بايصال البلد الى شاطئ الأمان، سيكون على اللبنانيين ان ينتظروا بفارغ الصبر عودة الأمين العام للجامعة العربية بعد غد الى لبنان. فمن شأن عودته هذه المرة ان تضع الجميع أمام مسؤولياتهم: مسؤولياتهم عن كشف الأهداف الحقيقية للكم الكبير من العقبات التي ما أن يزال بعضها حتى تطفو على السطح عقبات أخرى.
وعمليا، فاذا لم يكن للمبادرة العربية “فضل” المساهمة في تسوية الأزمة في لبنان، فسيكون لها من دون شك “فضل” المساهمة في تعرية تلك الأهداف.