#adsense

ولو على جثة الوطن ؟

حجم الخط

ولو على جثة الوطن ؟

راشد فايد

  
كل كلام “حزب الله”، بالجملة والمفرق، على حرصه على انقاذ البلاد من الازمة، ينكشف عن مناورة سياسية تغطي اهدافه الأبعد كلما جاء حل عملي، سواء أكان محلياً أم عربياً ام أوروبياً. والنائب حسين الحاج حسن لم يكن الأول في كشف الحقيقة حين أعلن أمس ان حزبه يعمل و”حلفاءه الاقليميين” على مواجهة ما يسمونه “المشروع الاميركي للمنطقة” انفاذاً لوصية مرشد الثورة الايرانية بأن لبنان هو “ساحة النصر (الموعود) على الشيطان الأكبر”.


والطريق الى هذه المواجهة يمر ليس باخراج لبنان من المأزق السياسي الذي ادخله فيه الحزب بحجج مختلفة، منها ما يخدم سعي الخائفين من المحكمة الدولية الى اسقاطها، ومنها الزعم بتحسين الحصة الشيعية في توازن السلطة، بل يمر بالسيطرة المطلقة على الدولة والسلطة معاً، بعدما اتاح له التحالف مع “الجنرال” تمويه أحادية مشروعه، وساعده “نصر إلهي” و”مال شريف وطاهر” في جذب جمهور يرى نفسه خارج الأزمة الاقتصادية التي يعانيها جمهور أكبر ذو انتماء ديني ومذهبي وسياسي لا يسمح لمحتكري توزيع براءات الوطنية باعتباره من “اشرف الناس” ومن رافضي المشروع الأميركي المزعوم الذي يتذكر الحزب التصدي له في لبنان وينسى ان احد اوصيائه الاقليميين في الشؤون الدينية والسياسية والمالية لم يتصد له في العراق إلا بعدما امن لـ”اشرف الناس” “هناك السيطرة التي شارفت العزل المذهبي.
كانت الدرب الى حل الازمة المفتعلة تمر، بحسب ادبيات الحزب المذكور، بتحقيق ما يسميه المشاركة في السلطة.

 

واعطى هذا المطلب حلة وطنية فضفاضة برفع “وثيقة التفاهم” الشهيرة وبلمّ شتات ايتام زمن الوصاية، ليتمكن من تنويع ألوان فريق الثامن من آذار. وبعدما برع في السعي الى احتكار صكوك الوطنية والإنعام بها على من يطيع توجيهاته وتوجيهات حلفائه الاقليميين، حدد المشاركة بأنها لا تكون الا بالثلث المعطل.


حين انجلى مؤتمر وزراء الخارجية العرب الخمسة عن المبادرة الأخيرة، حمل الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى حلاً يعطي رئيس الجمهورية العتيد العماد ميشال سليمان موقع الحكم التنفيذي في الحكومة المقبلة، مما يفترض ان ينهي احجية الثلث المعطل. لكن الاقتراح لم يمر، لأن كل الكلام على ثقة “حزب الله” وحلفائه بقائد الجيش لم يكن الا غيمة كاذبة لتغطية رهان على اسقاط المبادرة من الجهة الاخرى.


فالحقيقة في مكان آخر: لا الشراكة هدف، ولا الثلث المعطل غاية، وما يبتغيه الحزب هو القبض على السلطة، وإلا ما مبرر سلة التعيينات والتسميات اذا كان يسعى الى التوافق السياسي، واذا كان يتفق مع الغالبية – حسب زعمه – على ان العماد سليمان هو الأقدر على ان يكون عنوان التوافق بين المتناقضين، والحكم والميزان عند الاختلاف على القضايا الوطنية، وخصوصاً ان “حصته” من الحقائب الوزارية تتيح له ترجيح احدى الكفتين؟ لكن “حزب الله” لا يثق الا بمن يرتبط به، لأن الوطنية التي يزعم لا يراها الا بعينه وحدها ولا تقنع سوى حلفائه لأسباب منها طموح “الجنرال” ومنها ما بدّل، ومن طهران، حكومة فؤاد السنيورة من حكومة شرعية الى غير شرعية وغير ميثاقية في ساعات لم يبلغ عددها عدد اصابع اليد.


يراهن الحزب على اهتراء الوضع الداخلي، اقتصادياً وسياسياً، لتحقيق سقوط البلاد في حضنه. ومع ذلك، فانه لا يكذب حين يؤكد رفضه الاستئثار بالحكم، لان ما يسعى اليه هو تكرار التجربة السياسية التي حكمت لبنان قبل الطائف: “ديكور” من التعددية يخفي امساك طرف واحد بكل خطوط السلطة وخيوطها. وليس أنسب من العماد المتهافت على كرسي الرئاسة لتمويه المشهد وتحقيق المشروع ذي الابعاد الاقليمية التي لا تخفى على من يريد ان يرى. وليس انسب “للتلوين” من بعض “فتات” الطوائف الاخرى، ممن تعميه احقاده الانتخابية وحنينه الى الماضي القريب، او وقوفه على اطلال تأميم قناة السويس وصواريخ “القاهرة” و”الظافر”، ورفضه الخروج من زمن القومية اللفظية وتحرير فلسطين بالخطب و”الممانعة”. ولأن الفتنة الداخلية، الدينية والمذهبية، ممنوعة، ينحرف الحزب في اتجاه تضخيم الأزمة الاجتماعية متبرئاً من مسؤولية انقلابه على السلطة (احتلال وسط بيروت اغلق مئتي مؤسسة وعطل 2000 رب اسرة عن العمل، والتهديدات المتكررة بتحركات في الشارع هربت المستثمرين، لاسيما بعد تجارب العام الفائت الدموية).

 

ويغطي مسؤوليته عن الآتي باعلان امينه العام ان قدرته وحزبه على التحكم في الشارع غير مطلقة، وان الامور يمكن ان تفلت “ونحن لسنا وحدنا على الارض “كما قال. والعينة جاءت امس من احد مداخل الضاحية، واستندت الى اشاعة عن رفع سعر الرغيف.


ما تشي به “ادبيات” الحزب منذ تحول عن مقاومة اسرائيل الى غزو الداخل، هو انه لا يؤمن بالتعددية اللبنانية وما يسعى اليه هو ثنائية شكلية تغطي أحادية. انه يكرر في الداخل ما هيأت له ظروف الوصاية تحقيقه في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي: أحتكار المقاومة جنوباً وان على جثث “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”. واليوم احتكار السلطة وإن على جثة الوطن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل