#adsense

رئاسة الجمهورية “رهينة” يقايض عليها النظام السوري إقليمياً و”حزب الله” طائفياً وعون غرائزياً

حجم الخط

رئاسة الجمهورية “رهينة” يقايض عليها النظام السوري إقليمياً و”حزب الله” طائفياً وعون غرائزياً وثمن تحريرها ليس سوى الجمهورية

ترياق الوصاية كان صوت اللبنانيين الهادر فلماذا الاستكانة.. للمرض؟ 
فارس خشّان

 

لم يعد هناك أي التباس في المشهد الوطني. رئاسة الجمهورية هي “رهينة” لدى قوى الثامن من آذار. النظام السوري يريد بدل المساهمة في الإفراج عنها الاعتراف بسطوته على لبنان. “حزب الله” لا يرضى بتحريرها من دون صفقة تُعطيه حق إدارة الدولة بما يتلاءم ومصلحة “دويلته”. الشيخ عبد الأمير قبلان قالها، بالنيابة عن الثنائي الشيعي “المستقيل”، عندما طالب “باستعادة” وزارة المال، أي الإشراف على كل مرسوم يمكن أن يصدره رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء. العماد ميشال عون في هذه المعادلة ليس أكثر من مجرد “عاشق مجنون” يخشى أن تذهب “حبيبته” في حال تحريرها الى من هو أهل لها.


مشكلة لبنان مع هذا الفريق أنه لا يرى نفسه معنياً بـ”رهينته”، فتراه يُهدد حيناً بتصفيتها، ويحذر حيناً آخر من “الأمراض التي بدأت تفتك بها” ليستدعي قوى الرابع عشر من آذار الى المسارعة في تقديم الثمن المطلوب.
ومن يُدقق في تعابير “حزب الله” وملحقاته يُدرك تماماً أن إدارة ملف رئاسة الجمهورية لا يختلف بشيء عن إدارة ملف الأسرى مع إسرائيل، فثمة أثمان مطلوبة قبل الإعلان عن وضعية الأسير، وأخرى لها أبعاد إقليمية مفروضة قبل التوصل الى توافق نهائي على إطلاقه.


وبذلك، أصبح اللبنانيون الذين تحوّلوا الى مجرد حقل “استطلاع رأي”، أمام خيار من إثنين، فإما التغاضي عن أسر رئاسة الجمهورية وإما الموافقة على التخلي عن الجمهورية.
أمام هذا الواقع، ماذا يمكن لحماة الجمهورية الحرّة والمستقلة والسيّدة أن يفعلوا؟


في اعتقاد مجموعة من المتابعين السياسيين، أن العودة الى المعادلات التي صنعت يوم الرابع عشر من آذار 2005 قد تجسّدت بقوة، فجريمة اغتيال لبنان حاصلة، بأسر رئاسة الجمهورية وبالتهديد المستمر بالفتنة، وبتجارب متواصلة لجهوزية التخريب على طريق مطار رفيق الحريري الدولي، وبالإمعان في سلوكية القتل المتنقلة من موقع سيادي الى موقع آخر، وبإحياء شعارات تظاهرة الثامن من آذار في ساحة رياض الصلح، وفي محاولة إعادة النفوذ السوري الكامل على البلاد، وفي رؤية دعاة الاستقلال مجرد أدوات عند القوى التي تفاهمت على صوغ القرار 1559.


ولأن المسألة بهذا الوضوح، فلا بد من العودة الى زخم “ثورة الأرز” التي رفعت شعارات الاستقلال للوطن والعدالة للشهداء والتحرير للجمهورية من رئاسة قائمة ولكن شاغرة بتبعية أميل لحود. حاجة الدولة تبدو حالياً ملحة لذاك الوشاح الأبيض والأحمر.


في زمن تلك الثورة، كان إنقاذ الجمهورية يعني التخلي عن سلوكية الأبوة تجاه دولة الدويلة، ودولة الوصاية، ودولة الاغتيال، ودولة الأدوات، ودولة المخابرات، ودولة المعتقلات والمنافي، ودولة الغوغائية الاقتصادية والمالية والمعيشية.. على قياس دولة بنك المدينة.


آنذاك كان لتلك الدولة حزبها، ومجلس نوابها، ورئاسة جمهوريتها، وحكومتها، وكل الأجهزة الأمنية، وعنجر ومن ورائها سطوة عشرات آلاف جنود بشار الأسد، ولم يكن الى جانب اللبنانيين سوى الحلم بجمهورية تستحق جهود بنيها، وقيادات غير آبهة بمواقعها السلطوية بل بكرامتها، ومجتمع دولي يضع عداداً لقياس أحجام القوى المتصارعة على حلبة الموقف، وفي ساحات وسط بيروت.


بين الأمس واليوم، اختلف ميزان القوى ولكن المسار الوطني العام بقي حيث هو. كل التنازلات التي جرى تقديمها لم تكن سوى أفيون لشعب الرابع عشر من آذار، كتمهيد لمنشطات الثورة المضادة التي يقودها “حزب الله” اليوم بأدوات ذاك الثامن من آذار لا غير.


ثمة حاجة الى الاعتراف بهذه الحقائق لرؤية المخارج الممكنة التي من شأنها أن تُحرّر رئاسة الجمهورية الأسيرة من دون التضحية بشعارات ثورة الأرز قبل منجزاتها، على اعتبار أن الإنجاز يمكن أن يضمحل ولكن الشعار يستحيل أن يختفي.
“حزب الله” يُهدد، ليلاً ونهاراً بالشارع. هذه عادته. كان كذلك دائماً، فلم يتخل عن “سلاحه” هذا إلا بعد الرابع عشر من آذار 2005 ولم يعد الى توسله إلا بعد تراجع القوى السياسية التي ورثت ذاك اليوم التاريخي عن ممارسة تجسّد الالتزام الحقيقي بشعارات زمن الانتصار.


“حزب الله” وملحقاته يلوّحون بالفتنة، ولكن هذا كان “ديدنهم”، حين وقفوا على الشاشات يتحدثون عن “النفق الأسود” وعن “بحر الدماء” وعن “سوريا الحامية” وعن “الغرب العاجز”، وعن “بواخر المسيحيين”.. وعن “رزيل” أميل لحود الذي سيقتل من سوف يتظاهر في الرابع عشر من آذار 2005.


واللبنانيون، خلافاً لكل عوارض الاستياء البادية عليهم، مستعدون للمنازلة الكبرى، فخياراتهم القصوى لم تتبدل فهم يريدون جمهورية متحررة بلا أثمان تقضي على الجمهورية، ولكن مشكلتهم أنهم استدعيوا في مرحلة الى مهمة الإنقاذ، وقبل أن يُنجزوها تمّ الاستغناء عن خدماتهم، فطبيعة الثوار هي طبيعة كمالية، فإما يُنجزوا عملهم وإما يُصابوا بإحباط، خصوصاً عندما يراقبون كيف تحوّل ما حققوه بالتضحيات إلى مجرد سلعة في سوق التسويات “المرحلية” التي تُعيد الأمور الوطنية الى نقطة الصفر.


بناء عليه، تحرير رئاسة الجمهورية من الأسر لا يحتاج الى مفاوضات وصفقات، بل هو بحاجة الى المسار الذي حرّر لبنان من أعتى وصاية يمكن أن يعيش بلد مثل لبنان في قبضتها القاتلة.
ثمة من ينصح: أتركوا عمرو موسى يعمل وافسحوا المجال أمام المجتمع الدولي ـ والعرب هم جزء أساسي منه ـ ليُجرب كل ما لديه، ولكن في الوقت نفسه أعيدوا الاعتبار الى القوة الوطنية الحقيقية: كلمة اللبنانيين الهادرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل