النفوس العفنة
في العام 1204 دخل الصليبيون مدينة القسطنطينية التي ظلت تسعة قرون عاصمة للمدنية المسيحية، فنهبوا ودمروا كل ما فيها ثم اقتحم عشرات الأنفار منهم كنيسة القديسة صوفيا وهم سكارى وداسوا بأقدامهم الكتب المقدسة والأيقونات وتربعت غانية على كرسي البطريرك آخذة بالرقص والغناء. تلك المدينة التي بقيت عاصية حوالي 860 عاماً، وصمدت أمام هجمات الآفار والفرس والبلغار والعرب ولم تنحنِ كنيستها مرة أمام مخلوق، هزمها أبناء دينها وضُربت من بيت أبيها، فهان سقوطها لاحقاً أمام العثمانيين.
في العام 1988 وفي سيناريو مشابه إقتحم صليبيون جدد تقمصت فيهم أرواح الشياطين مقرّ البطريركية المارونية في لبنان حاملين صور نبيهم الكذاب فأهانوا المقام والبطريرك وجعلوه يقبل صورة معبودهم هذا في حادثة ليس لها مثيل في التاريخ الحديث.
في العام 2007-2008 المتقمصون أنفسهم يعيدون الكرّة ويهينون البطريرك في العلن ومن على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية التي يقرأها المسلمون قبل المسيحيون، فيثلجون قلوب هؤلاء الذين يريدون إقامة دولة إسلامية في لبنان لن تقوم إلا إذا ابتعد المسيحيون عن كنيستهم وضعف إيمانهم بدينهم، ولا سبيل الى هذا إلا إذا كفروا برأس كنيستهم.
ماذا تريدون أيها العونيون من البطريرك؟ يا من خجل القديسون من كلامكم ويا من زغردت الشياطين بعد ضلالكم.
أتريدون منه أن يرفع ملف تطويب عونكم الى الفاتيكان؟ أم تريدونه أن يشهر إيمانه بنبيكم الكذاب؟ أما مئات المرات صفعتموه ولا زلتم تطالبونه بالخد الإيسر؟ أما مئات المرات نكرتموه ولم يصح لكم ديك بعد؟ أما حان ليهوذا فيكم أن يستيقظ ضميره؟ بكم من الفضة بعتموه؟ بكم من الذهب؟ بكم من البترول الفارسي؟
لو فتشتم عن الحقيقة داخلكم لوجدتموها مصلوبة في ضمائركم. لو بحثتم عن الحق لوجدتموه مرمي على قارعة طريق الحدث- مارمخايل، حيث نكرنم إيمانكم واعترفتم بسلاح حزب الله قديساً، فتحولتم من عبادة الله الى عبادة الأصنام (السلاح).
لو فتشتم عن الله … ! آه لو تفتشون عن الله.
أيستفزكم (كما تقولون) أن البطريرك لا يريد أن تبقى كرسي الرئاسة فارغة مثلما هي عقولكم؟ “أيزكزككم” (كما تدعون) أن يكون البطريرك راضٍ عن إعطاء الرئيس الصوت الوازن في الحكومة؟
نحن مصرون أن نسألكم ما هو دينكم؟ وما هي سياستكم؟ فإذا كنتم علمانيون وتمارسون اليوم سياسة فصل الدين عن الدولة فنحن نرجو نوابكم أن يستقيلوا من مقاعدهم النيابية ويكفينا ما تأخذه أحزاب السوري القومي والبعث من مقاعد مخصصة للمسيحيين. فهذه المقاعد وُجدت بالأصل لطمأنتهم من خطر إبتلاع حقوقهم السياسية. فنظامنا مدني يحمي حقوق الطوائف ولم يوضع لصالح الأحزاب العلمانية التي ترفد من حقوق الطائفة المسيحية على وجه الخصوص. فاذهبوا واقنعوا الناس بفوائد عدم تخصيص مقاعد نيابية للطوائف مثلما يحاول حزب الله إقناعكم بفوائد دولته الإسلامية عبر المحاضرات التي تُتلى عليكم في مخيمكم زينة البلاد.
بالنسبة لنا لا نستطيع أن نتعامل مع حزب الله إلا مثلما يتعامل معنا تماماً. فديننا هو سياستنا وسياستنا هي ديننا الى ان يتخلى حزب الله عن هذا المبدأ. فنحن لا نستطيع أن نمارس سياسة اعتدال أمام سياسة تطرف. فالتراجع أمام قوي هو تقدم له، وكل تهجم على البطريرك هو خدمة لمشروع الدولة الإسلامية، وكل علمانية يُروج لها في الشارع المسيحي لوحده أو تكون نسبة المؤمنين بها عند المسيحيين أكبر هي جريمة تُرتكب بحق المسيحيين. فإياكم أن تسمحوا لنفسكم بالتعدي على مقاماتنا الدينية، فهذا سيكون بمثابة إجازة تكرار العرض من قبل حزب الله نفسه أو من قبل أي طرف آخر. فمن لا يحترم حرمة بيته لا يستطيع أن يفرض على الناس احترامها.
ميشال عون! إذا كنت ضد تدخل رجال الدين في السياسة، أفوحده البطريرك رجل دين يتدخل في السياسة؟ أليس حسن نصرالله أمين عام حزب الله وحليفكم الأول رجل دين؟ هل تجرّأت يوماً أن تقول له هذا الكلام؟ أليست المؤسسة الدينية عنده هي من تسوس شؤون الناس؟ أسألت يوماً السيد نصرالله عن معنى شورى حزب الله؟ بالأمس القريب هزّ حزب الله العصا وأكثر لأحد شطارك الذي تناول السيد نصرالله في كاريكاتور تلفزيوني وكاد ناس حزب الله أن يلتهموا روحه على ما اعتبروه إهانة للمقام الديني. فلا تظننّ يا فخامة اللاشيء أن المسيحيين يديرون خدهم الأيسر دوماً. فاوقف غلمانك عن إهانة المقام الديني الأرفع للمسيحيين رحمة بأنفسكم التي ستكتوي بنار جهنم إذا استمريتم في أباطيلكم.
ميشال عون! أولا د الأفاعي خاصتك، ينشرون في الجرائد والمواقع الإلكترونية آيات شيطانية تحرض على مقاطعة الكنائس. فلتُقطع ألسنتهم وتتبلبل ولتُنزع أرواحهم ولتحترق نفوسهم عشرون مرة في الجحيم. هذا العصر ليس عصر سيمون الساحر ولا عصر مسيلمة الكذاب ولا عصر الأنبياء الدجالين، والناس لم تعد ساذجة ولا ساحر يخدع عقولها ولا تخاف الوهم والباطل. وهي لن تسامح من يحاول تشويه صورة كنيستها وإضعافها أمام المتربصين شراً بها.
ميشال عون! بكركي تعتقد معكم أن رداءها الكهنوتي لن يحميها ولا هي تسعى للحماية. فهي جربتكم قبلاً ودنستم المقدسات ولم تحترموا الكهنوت ولا سرّه. والبطريرك يعلم جيداً أن المسيحية لم تتثبت إلا بالإستشهاد. فمن أجل المسيحية استشهد الرسل واستشهد مئات الرهبان.وعلى خطى الرسل استشهد البطريرك الماروني “جبرائيل حجولا” الذي اختار الموت حرقاً سنة 1367 في مدينة طرابلس أمام الجامع العمري رافضاً التخلي عن خلاص بني قومه المعذبين في قبضة المماليك.
نعم ميشال عون! بطريركنا لا يريد للمسيحيين انتظار امتلاء سلتك ماءًا. إنه يريد الحفاظ على مركز المسيحيين الأول في الدولة وهذا من صلب ما هو مؤتمن عليه لأن المركز أُعطي للطائفة المسيحية المارونية لضمان حقوقها ولم يُعطَ كرمى لعيني رجل صودف أنه مسيحي ماروني. وما قررته الجامعة العربية الناطقة باسم كل العرب وباسم مئات ملايين المسلمين، هو اعتراف من كل المسلمين بأهمية الدور المسيحي في لبنان وريادته وهو رغبة منهم ببقاء الطائفة المسيحية أمينة على رأس الدولة. هذا القرار من الجامعة العربية جاء أفضل مما توقعه المسيحيون يوماً، لكننا نجد العرب متفاجئين من منتسب للطائفة المسيحية لا يريدها أن تأخذ حقها في وقت هم المسلمون يبحثون عن كيفية إعطائها حقوقها. أليس عجيباً أن تترك الرئاسة رهينة في يد حزب الله وهو الذي يجاهر دوماً بأن لا رئاسة قبل أن يحصل على ما يريد. حزب الله يفاوض على تركة غيره فلا يُلام. أما أنت فعلى تركة من تفاوض؟
ميشال عون! لا أتفاجأ إذا عبدك شيعة حزب الله، فمشروعهم يهون أكثر كل ما فرغ لبنان من المسيحيين فأنت في حربيك العبثيتين هجرت 300 ألف منهم، وعندما أيّدت حزب الله في حربه الإلهية ضد آلهة إسرائيل، ساهمت في تهجير عشرات الآلاف الإضافيين منهم.
ميشال عون! لم تكتفِ بتهجير المسيحيين بل تسعى في حربك على الكنيسة الى تهجير المسيح من لبنان، وبذهنك أن يعبدك رعاعك والتاريخ يحفل بقصص عبدة الأصنام. أقول هذا لأن مهاجمة الكنيسة بعشرات المقالات لا يمكن أن تخدم هدفاً منطقياً بل تدخل في إطار الإنتقال من عبادة الله الى عبادة الذات.
ميشال عون! بيت الله أبيض وثلج الله أبيض وشعرات ذقن أبينا البطريرك بيضاء. أتُراك تكره البياض لأن قلبك مليء بالسواد؟
ميشال عون والعونيون!
لا تغروا الناس بتجميل مظهركم ولا تتعطروا بعطور غالية الثمن، فمهما سكبتم على أجسادكم عطوراً فمن نفوسكم ستفوح رائحة العفن…. !