#adsense

نصرالله يقدّم رؤيته العقائدية للكيان والنظام.. و”ضحاياها” الشيعة والدولة المدنية

حجم الخط

نصرالله يقدّم رؤيته العقائدية للكيان والنظام.. و”ضحاياها” الشيعة والدولة المدنية

عندما تُطرح حكومة الوحدة الوطنية بـ”أفق” الحكومة الإسلامية
نصير الأسعد

 

في خطبته العاشورائية مساء الأحد الماضي، مرّر الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله أفكاراً لا يجوز التقليل من أهميتها.. بل من خطورتها.
سأل السيّد “إذا كنّا في لبنان بفعل تركيبته وتعقيداته وظروفه لا يمكننا إقامة حكومة إسلامية، فهل هذا يعني انّ على الحركة الإسلامية أو الجماعة الإسلامية أن تنعزل وأن تنزوي وأن تعتبر انّها غير معنية؟”. وبعد إستعراضه الإجتهادات الفقهية التي توصّل إليها للإحاطة بـ”إشكالية” العمل السياسي الإسلامي في بلد “غير إسلامي”، أجاب نصرالله بنفسه عن السؤال المطروح ليقول في “مكان” آخر من الخطبة إنّ “هدف العدالة إذا لم يتحقق في أعلى درجاته فهناك درجات أخرى من العدالة يمكن أن تتحقق”. وفي هذا المجال أشار إلى “حكومة الوحدة الوطنية التي من شأنها أن تحقّق مستوى أعلى من العدالة”.


الهدف “النهائي” والهدف “المرحلي”
ليس في ما طرحه السيّد نصرالله أيّ التباس، أي انّ النص على قدر عالٍ من الوضوح. نعم لا يعلن أنّ هدف “حزب الله” هو إقامة الحكومة الإسلامية أو الحكم الإسلامي أو الجمهورية الإسلامية. لكنه إذ يعتبر انّ الحكومة الإسلامية هي “أعلى درجات العدالة” وأنّ حكومة الوحدة الوطنية تحقّق “مستوى من العدالة”، انما “يوحي” بأن الحكومة الإسلامية هي “الحدّ الأقصى” وبأنّ حكومة الوحدة الوطنية هي “الحدّ الأدنى”، أو هو يوحي بالفعل بأنّ الحكومة الإسلامية هي الهدف “النهائي” بينما حكومة الوحدة الوطنية هي الهدف “المرحليّ”.


هذا نقاشٌ “موضوعيّ” أي نقاشٌ لتفكير “حزب الله” أو لـ”فكره” وليس “قيل عمن قال”.
على أيّ حال، وفي معرض الشرح يُعطي السيّد مثالاً عن أداء الحزب سواءً في مجلس النواب أو في الحكومة في مرحلة سابقة. يقول إنّ “نوّاب كتلة الوفاء للمقاومة على سبيل المثال يناقشون مشاريع وإقتراحات قوانين عدّة لكنهم لم يرفعوا أيديهم مرّة للموافقة على قانون يتنافى مع الأحكام الإسلامية والتعاليم والشريعة الإسلامية”. ويستنتج “إذاً يمكن أن أحافظ على الحدود والضوابط الإسلامية”.


“دولة حزب الله” و”حكومة الوحدة”
ما الذي يربطُ بين الحكومة الإسلامية وحكومة الوحدة الوطنية من جهة وبين حكومة الوحدة الوطنية والمثال الذي أعطاه السيّد من جهة ثانية في هذه الخطبة “العقائدية”؟.


لا شكّ بدايةً انّ هذه الخطبة تعكسُ نقاشاً داخلياً. نقاش إسلامي ـ إسلامي أي بين “حزب الله” وحركات إسلامية. ونقاش داخل “حزب الله” نفسه. لكأنّ هناك من يطرح على نصرالله مشروعاً إسلامياً “فوريّاً” للبنان، وهو يشرح الظروف وسبل الوصول إليه في “نهاية المطاف”.


لكن في الجواب عن السؤال السابق يمكن القول إنّ العلاقة بين الحكومة الإسلامية “أعلى درجات العدالة” وحكومة الوحدة الوطنية “أحد مستويات العدالة”، هي علاقة توازٍ. فليس خافياً أنّ “حزب الله” الذي يريد قيام حكومة وحدة وطنية “سوف” يدخل إليها وقد أقام مجتمعاً إسلامياً وكياناً إسلامياً و”حكومة” إسلامية في مناطقه ممّا اصطلح على تسميته “دولة حزب الله”. أمّا المثال الذي أعطاه نصرالله في معرض تقويم التجربة السابقة فيُفيد انّ دور “حزب الله” داخل حكومة الوحدة الوطنية هو دور “حراسة” دولته أو حكومته أو كيانه.


إعدام الدولة المدنيّة


أكثر من ذلك، يمكن القول إنّ دور “حزب الله” داخل حكومة الوحدة الوطنية إذا كان محدّداً بـ”المحافظة على الحدود الإسلامية” انّما هو منع قيام الدولة المدنيّة. بكلامٍ آخر، ليس فقط يمتنع “حزب الله” على الدولة لكنّه يسدّ آفاق قيام الدولة المدنيّة. هذا مع العلم أنّ للدولة المدنيّة في لبنان أصلاً فقهياً عبّر عنه بشكل خاص الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين في مطالعاته وكتاباته ووصاياه.


إذاً، هكذا تصبح الصورة واضحةً. الحكومة الإسلامية هدفٌ “أخير”، أي انّها صيغة نظام الحكم على كلّ لبنان التي “يناضل” الحزب لبلوغها. لكن حتى بلوغ هذا الهدف، فإنّ في ما يطرحه “حزب الله” بشأن حكومة الوحدة الوطنية بالثلث المعطّل، وفي ظلّ الظروف القائمة، تغييراً في طبيعة النظام السياسي بحيث يقترب من الفدرالية.
الجمهورية الإسلامية التي لم يُشفَ منها الحزب هي الغاية. وإسقاط النظام السياسيّ القائم هو “المحطّة” التي يعتقد انّها تخلق مع الوقت “مناخ” الجمهورية “الموعودة”.


لعبة الانفصال والاتصال
غير انّ السؤال الذي يطرح نفسه في ضوء ما تقدّم هو: هل في ما يسعى “حزب الله” إليه مصلحة لشيعة لبنان؟.
قبلَ الإجابة “المحدّدة” عن هذا السؤال، يجدر لفت النظر الى مسألة مهمّة.
يستند “حزب الله” في ما يطرح الى مفاهيم عقائدية، لكنه قبلَها وبعدَها يستند الى الدعم الايرانيّ، بمعنى أن الواقع الذي يقيمُه ويتحرّك على أساسه يستفيد من هذا الدعم. “دولة حزب الله” مموّلة من إيران والدعم الايرانيّ يلبي “نفقات” الدولة الحزبية. وفي “إنفصاله” عن الدولة اللبنانيّة يجد دعم طهران في تصرّفه. لكن حاجته الى الدولة اللبنانية لا تنتفي فـ”يختار” ما يأخذه منها. ذلك أن “حزب الله” يمارس لعبة “الانفصال والاتصال” معاً عن الدولة وبها.


هذه المسألة التي جرى تحديدها بأقصى “كثافة” تفيد أن ما يبني “حزب الله” عليه هو قوته “العابرة” من ناحية والدور الايرانيّ أو الدعم الايراني “العابر” من ناحية ثانية. ووصف “العابر” هنا لا يتعلق بـ”المدة” التي لا يمكن التكهن بها، لكنه يتعلق بالحديث عن مقوّمات لا يمكن أن تتأسس علها استراتيجيات مصير، إنما هي مقومات ظرفية أو مرحلية. وكم من التجارب في العالم ـ وفي لبنان ـ ارتبطت مصيرياً و”عقائدياً” بامبراطوريات عظمى لم تستطع مواكبة ما بعد انهيار هذه الامبراطوريات بل انهارت هي نفسها؟


المقصود قوله هنا هو إن “المشروع الشيعيّ” المستند الى مقوّمات “عابرة” أي ظرفية إذا كان يلبي بحدود مصالح شريحة شيعيّة ـ حزبيّة ومتعاطفة مهما كبرت ـ فهو لا يلبي مصالح الشيعة، وهي مصالح لا تتأسس إلا ضمن “الواقع اللبناني”.
..ويحمّل الشيعة “أكلافاً” مستحيلة

هذا في البداية. أما في “المتن”، فإنّ “المشروع” الذي يقوده “حزب الله” يضع الشيعة في مواجهة كل الطوائف في المباشر وفي المدى الأبعد. ويضعهم في تصادم مع الدولة. ومنعه قيام الدولة المدنية يحول دون انخراطهم في مسالكها ودون دورهم المميز على مختلف الصعد.


لقد أدى الشيعة اللبنانيون دوراً مميّزاً في شتى التيارات السياسية وكانوا خزانها جميعاً. وأدوا دوراً ثقافياً غنياً بغنى تنوع تجاربهم. ومنذ أكثر من أربعة عقود يدفع الشيعة ـ عموم الشيعة ـ أثماناً باهظة دفاعاً عن قضية فلسطين وعن بلادهم. وما يدعوهم “مشروع حزب الله” إليه اليوم فضلاً عما تقدّم، هو الاستمرار في النيابة عن العرب، أو عن إيران في تحمل كلفة الصراع مع اسرائيل هم ولبنان، أو في تحمّل مسؤولية تمكين إيران من الإمساك بناصية هذا الصراع تارة أو إكتساب القوة النووية تارة أخرى.


“إنتحاري”
إن “مشروع حزب الله” هو وفقاً لكل المعايير “إنتحاريّ” (ليس “إستشهادياً”!).
هو إنتحاري للشيعة أولاً إذ يخلق لهم مشكلة مع الجميع بالرغم من حصول الطائفة الشيعيّة عبر السنوات الطويلة على اعتراف الجميع بأنها طائفة “ممتازة”. وإنتحاري إذ يدفع بهم الى إستحالات “كيانية”. وإنتحاري إذ لا يلبي مصالحهم غير القابلة للتلبية إلا في المدى اللبناني وبدورهم العربي. وإنتحاري لأنه يطلب منهم المزيد من “الجلد الذاتي”.
ولأنه كذلك فهو إنتحاري للبنان ثانياً. هو إنتحاري في هذا المجال لأنه يدخل البلد في دوامات لا نهاية لها. ولأنه يقوّض وجوده ويدفعه الى صراعات مهلكة.


فلماذا لا يكون إعتراف السيّد نصرالله بـ”تعقيدات التركيبة اللبنانيّة” مدخلاً الى “إعادة تأسيس” الحزب ليكون مساهماً في “إعادة تأسيس” الكيان، والشيعة طائفة مؤسسة في الكيان أصلاً، بدلاً من أن يكون هذا الإعتراف طريقاً الى البحث عن أهداف مرحلية أو معالجات مرحليّة على طريق هدف أخير فوق طاقة الشيعة ولبنان؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل