#adsense

وطن أم مقبرة المبادرات ؟!

حجم الخط

وطن أم مقبرة المبادرات ؟!

راجح الخوري

 

“المبادرة العربية” ماتت في الطريق، حتى قبل ان يصل عمرو موسى الى بيروت في المرة الماضية.
كان ذلك واضحا تماما في الاسبوع الماضي. كان واضحا ايضا ان “القصف العميق” على الاجتماع الطارىء لوزراء الخارجية قد بدأ قبيل انعقاده. وعندما شكلت النقاط الثلاث التي تضمنتها المبادرة تبنيا شبه حرفي للموقف السياسي الذي تتخذه قوى الاكثرية في لبنان منذ أشهر: (انتخاب الرئيس أولا، ثم تشكيل حكومة 14+10+6، والاتفاق على قانون الانتخاب)، فقد بات اكثر وضوحا ان المعارضة حفرت قبرا لائقا لهذه المبادرة… وابتسِم أنت في لبنان!


اليوم يعود الأمين العام للجامعة العربية الى بيروت وسط دوي الانفجار الذي كان يستهدف على ما يبدو السفير الاميركي جيفري فيلتمان وأصاب موكبا وهميا تابعا للسفارة فاستشهد من استشهد من أبرياء وأصيب من أصيب من الجرحى.
طبعا لا تحتاج “المبادرة العربية” التي شبعت موتا الى انفجار يدفعها جانبا. فالمقارعة الحامية في بيروت بين الاكثرية والمعارضة لا تدور حول بنود المبادرة بل حول شكليات الحوار وشخصياته المحلية او العربية وبعض “الافكار المذهلة” التي تطرح وتقفز فوق المبادرة والجامعة العربية والدستور وكل ما هو قيد التداول منذ أسابيع!

 

إنه حوار الطرشان طبعا. ولن يكون في وسع عمرو موسى ان يُفهم أحدا شيئا ولكن في استطاعته ان يزداد اقتناعا بمسألة معالجة الفالج اللبناني، وربما ان يزداد اقترابا من موقف الرئيس حسني مبارك الذي تحمل تحذيراته المتكررة من استمرار الازمة اللبنانية عناصر ليست بعيدة عن اليأس وهو الذي يعرف تماما استحالة قدرة اللبنانيين على التفاهم وسط الانقسام الجذري اللاحق بهم، والذي ترفده سياسات خارجية وصراعات استراتيجية تتقدم نتائجها عند البعض على ما قد يؤول اليه حال هذا البلد البائس من انهيار.


إذاً، هل هي مقدمات نفض قميص عثمان العربي من “العصفورية اللبنانية” بعدما غسل كثيرون من الأعاجم أيديهم من دماء هذا البلد المندفع نحو الانهيار والفوضى؟


الأميركيون فشلوا رغم كل ما يقال في أوساط المعارضة عن ضلوعهم المستمر في “المؤامرة”. والفرنسيون راهقوا سياسيا بعد الساركوزية وفشلوا. وبعض الدول العربية منفردا او مجتمعا تحت راية الجامعة فشل ايضا. وعمرو موسى لن يلبث أن يعود غدا أو بعد غد مرة اخرى الى القاهرة بخفي حنين اللبناني.

 

بالكاد سيجد موسى من يستمع اليه اليوم في بيروت، فالتراشق بالاتهامات بين “القبائل اللبنانية” بدأ قبل ان ينقشع دخان انفجار الكرنتينا. فهناك من يقول ان الانفجار هو لدفن المبادرة نهائيا واسقاط الحل العربي والرد على بعض التصريحات المصرية والسعودية أول من أمس بشأن القمة العربية والضغط على قوى المعارضة، وهناك في المقابل من يقول ان الانفجار مدبر لدفع الازمة اللبنانية الى التدويل.


مأساة؟
ربما أكثر من مأساة. فنحن في بلد يجتاز بعض أهله كل الخطوط الحمر في اتجاه العودة الى الماضي القريب. ومتى؟ عندما يقف اللبنانيون عند سلسلة مرعبة من الازمات المعيشية والخدماتية التي راكمتها الانقسامات منذ اتفاق الطائف وعمقتها المديونية الثقيلة الناجمة أساسا عن سياسة تعميق الخلافات بين اللبنانيين.

 

يقول الشيخ نعيم قاسم “ان الحرتقات التي تحصل بين الموالاة والمعارضة ليست اختلافا على وزير بالزائد أو وزير بالناقص. هذا اختلاف بين مشروعين ورؤيتين…”.


هذا الكلام صحيح تماما. ولكن اذا كان نائب الامين العام لـ”حزب الله” يتهم الاكثرية بأن رؤيتها ومشروعها ان تجعل لبنان منصة للوصاية الاميركية، فان الاكثرية في المقابل تتهم المعارضة بأن رؤيتها ومشروعها ان تجعل كل لبنان منصة للوصاية الايرانية والسورية.


إذاً كيف يمكن الحديث عن حوار او توافق بين الطرفين ما لم تصبح أميركا نسخة كربونية عن ايران او بالعكس؟
لا داعي الى الاجوبة طبعا، لكن المأساة تزداد تعقيدا عندما نحاول مثلا أن نُدخل جَمَلَ “المبادرة العربية” من خرم الابرة اللبنانية. وقد بدا هذا واضحا عندما أحال السيد حسن نصرالله بعد ساعتين ونيف من المحادثات عمرو موسى الى الرابية ليفاوض الجنرال ميشال عون كممثل للمعارضة.


ثم بدا الامر واضحا أكثر عندما وضعت “فكرة” الحوار بين عون والنائب سعد الحريري وكأنها الموضوع الحصري لـ”ترجمة” المبادرة المذكورة، في وقت كان عون قد أعلن التمسك بالثلث المعطل وهو ما يتناقض مع روح البند الثاني من المبادرة!

 

أول من أمس كشفت تصريحات عون انه ليس متشوقا للقاء الحريري تماما كما أن الحريري ليس متشوقا للقائه. طبعا الموضوع ليس موضوع أشواق. الأهم ان عون يقول حرفيا: “هناك خلل. ففي مكان ما يريدون تركيب رأس على السلطة ليس هو الرأس الطبيعي لهذا الجسم ولا يأخذون في الاعتبار أي ارادة شعبية”.


هذا يعني ان عون يعتبر ان ترئيس العماد ميشال سليمان يمثل خللا ولا يعبر عن الإرادة الشعبية، فهل يمكن ان نفهم أن المعارضة التي يمثلها عون تخلت عن تأييد قائد الجيش رئيسا للجمهورية؟ ثم ألا يعني هذا اسقاطا للبند الاول من المبادرة العربية؟


وعندما يدعو عون الى تعديل الدستور وانتخاب الرئيس من الشعب ألا يكون قد خرج على منطق تلك المبادرة التي يفترض ان يدور الحوار حولها؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل