#adsense

لا تُسقطوا الجامعة الأميركية

حجم الخط

لا تُسقطوا الجامعة الأميركية

جورج ناصيف

 

الانفجار الذي استهدف السيارة الديبلوماسية الاميركية مدان لانه يستخدم لبنان ساحة رسائل، لتغليب خيار سياسي وايديولوجي معين. ولان الخسائر لبنانية، في السياسة والامن والاقتصاد والارواح.


لكن السياسة الاميركية مدانة هي الاخرى، ولا تبهج واحدا سوى عملائها. وزيارة الرئيس الاميركي الى المنطقة ذكرتنا بان وجهها بشع، وانحيازها الاسرائيلي يتجاوز كل حد.
حتى نستنكر براحة ضمير اي تعرض لأي اميركي، نحتاج الى ان نرى سياسة اميركية لا تكون اسرائيلية، بلغة انكليزية.



لست معنيا بتتبع اخبار عمرو موسى، ولا يقض مضاجعي الصياح السياسي. ما اوجعني ان العصف الطائفي اجتاح واحدا من آخر الحصون: الجامعة الاميركية في بيروت.


الجامعة الاميركية، في وعينا المعاصر، هي من احتضن الفكر القومي العربي العلماني في بيروت والمنطقة، واطلقته في رحاب العالم العربي. هي جامعة قسطنطين زريق وجورج حبش ونقولا زيادة وشارل مالك وغسان تويني ونور الدين نور الدين والبرت حوراني، وماجد فخري، وكمال الصليبي وسائر الكوكبة المضيئة. هي جامعة المرسلين الانجيليين الذين طمحوا الى فصل الدين عن الدولة، وتأسيس فسحة رحبة للتثاقف الحضاري، العقلاني، المستنير، أُريد لها ان تطلق جيلا من المثقفين العرب مشبعا بحس نقدي، مزروعا في عمق ثقافتنا العربية، وضاربا في ابهى ما انتجت الثقافة الغربية، في الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والحضارات، مواكبا التقانة والتطور العلمي.


هذه الجامعة الاميركية التي لم نطأ ارضها، ونحن فتية، وادركنا بهيّ دورها في متواليات الايام، وخصوصا يوم استبدت الجاهلية في لبنان، تقع اليوم فريسة اجيال من الطلاب المشحونين بانتماء مذهبي حتى النخاع.
كادت الواقعة ان تقع بين المهتاجين طائفيا. كاد التشاتم ان ينقلب عراكا فصداما مذهبيا صرفا لولا القبضة الامنية وحكمة حكماء الجامعة. ولم يكن احد بريئا، لا في صفوف “الموالاة” ولا في صفوف “المعارضة”، وقد باتت جل التنظيمات السياسية على الضفتين اسماء مستعارة لالوان مذهبية فاقعة.


ما عادوا يتسترون. ما عادوا مشغولين بتغطية عوراتهم. ما عادوا يتحدثون بالاشارة او الالماح. لقد اسقط الطرفان مساحيق الوجه وسَفَرا عن خلقة ذميمة. الطلاب اليساريون في الجامعة، وهم في الاساس قبضة مستنيرة متنوعة، تقلص عددهم وتضاءلت قدرتهم على الفعل امام الاجتياح المذهبي الذي يدكّ الاسوار.


عندما تسقط الجامعة الاميركية في بيروت، لا تتساءلوا كثيرا عن مصير البلد. فلن يعود هناك وطن، بل مذأبة وارض ضباع.
خافوا على مصير ابنائكم، وفتشوا اين ستخبئونهم من وحوش الطوائف. اين سيفكرون بحرية، ويناقشون بحرية، ويحبون بحرية، ويؤمنون بحرية، ويلحدون بحرية. اين سيكونون بشرا فقط.


هذا كلام برسم اهل اليسار واهل الديموقراطية. كفوا عن الانشغال بالزواريب السياسية، واقصدوا النضال الصعب والوحيد: الغاء الطائفية السياسية وبناء مجتمع متنوع، ودولة مدنية بلا دين. انقذوا دنيانا واتركوا رب الكون يحكم في الآخرة.
نريد ان نتنفس ملء الرئتين. وانتم، حضرة المسحورين مذهبيا، وباء وعفن.
نريد ان نحرر الانسان. ولن يتحرر الا اذا حررنا الله من عباده الكذبة.

 

لا ثقافة مسرحية لدي. لكني تمتعت بمسرحية جواد الاسدي “نساء الساكسوفون”، نصا واداء. وابتهجت لانه اختار بيروت، في لحظة الموت العربي تحت اظلاف المشروع الاميركي.
جواد اراد ان يشهر حبه لبيروت. ونحن لا نتورّع عن معانقة هذا العراقي الجريح.

المصدر:
النهار

خبر عاجل