مواجهة التحذير الأخطر
كمال فضل الله
أُعطيت زيارة عمرو موسى الحالية الى بيروت وسط تأزّم أمني وسياسي صفات متفاوتة انطلاقاً من المواقف المتناقضة، فالبعض يرى فيها محاولة قد تكون الأخيرة في المساعي المبذولة للمساعدة على حل الأزمة التي تزداد تفاقماً· والآخر ينظر إليها من زاوية الحرص العربي على تجنيب لبنان ما يمكن أن يتهدده من تفاعلات الخلاف الذي يعاني منه ولا بد من الوقوف الى جانبه ومعه لتخطي هذه المرحلة التي لا يختلف أحد على صعوبتها وقسوتها، وأنها باتت أكبر من طاقة احتمال المواطنين ولاستمرارها تداعيات خارجية·
وتأخذ تلك الزيارة هذا الحجم من الاهتمام كونها تأتي في ظل تحذيرات عربية ودولية من تدويل الأزمة والتوجه نحو مجلس الأمن لاتخاذ قرار في هذا الشأن، كما أنها تعتبر من العاملين بإخلاص للخروج من هذه الدوامة متابعة للجهود دعماً لبلد شقيق، وأن ما يصيبه لا يقتصر على ساحته الجغرافية الضيقة لا سيما في هذه المرحلة من الاضطراب الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط واصطدام الحلول للقضايا العالقة بعقبات تحتاج الى إرادة جماعية ووحدة موقف ونظرة عادلة ومتوازنة من المجتمع الدولي·
ومهما تكن التفسيرات والاجتهادات فإن موسى يأتي مجدداً الى بيروت مصراً على إنجاح مبادرة الجامعة العربية الصادرة بإجماع وزراء الخارجية عقب اجتماعهم في القاهرة· ولا يرى أن الأبواب موصدة في وجه تحقيق تقدّم يتمثل باعتماد سلة متكاملة للحل التوافقي على أن تكون الخطوة الأولى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وهو مُجمع عليه شعبياً وسياسياً بصرف النظر عما بات يتسرّب عن أن ما يقوله البعض يحتمل التأويل والاجتهاد، إذ ليس هناك مرشح آخر يحظى بهذا التأييد الداخلي والعربي والدولي اعترافاً بقدرته على قيادة سفينة الوطن الى الاستقرار وتعزيز الانصهار الوطني، والتفرّغ لمعالجة ما نجم عن التباين من ضائقة اجتماعية وتقلص اقتصادي وفقدان مقومات الانطلاق·
ويعرف المتعاطون مع الأزمة بأنها غير مستعصية خصوصاً وأن أطرافها باتوا يدركون أن المضي في الخلاف قد يؤدي الى فقدان عوامل الصمود على أكثر من صعيد، وعدم القدرة على تجنّب حافة الهاوية التي تتضح خطورتها يوماً بعد يوم، فما كان يكبر في فترة طويلة يتعاظم أكثر في أيام قليلة نتيجة التراكمات، والشرط الأساسي للعودة الى حال العافية السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو حوار مسؤول بين المعنيين من دون خلفيات ومصالح ذاتية لأن الوطن هو الأبقى، ولا أحد يكون بعيداً من التأثر بما يستجد إيجاباً أو سلباً، ومن هنا الدعوة الى الأخذ بالمبادرة العربية من دون اجتهادات وتفسيرات توحي بالتمسك بما يعرقل التفاهم ويحول دون التوافق المطلوب· في ضوء هذه المعطيات فإن مهمة موسى هذه المرة تختلف عن سابقاتها بالإصرار على الحصول على جواب لا يقبل التأويل والتفسير، بل الإقرار بخطورة استمرار الأزمة الى حد قد تستحيل على الحل، فالمحادثات على تعدد أطرافها خصوصاً مع من يملكون اتخاذ القرار الإيجابي المطلوب لن تطول كما في الجولة السابقة، وقد جاء الأمين العام للجامعة العربية بعد مشاورات مع جهات عربية وخارجية إضافة الى صدور تحذير من تدويل على ما فيه من تداعيات تتجاوز لبنان الى أوسع من مساحته الجغرافية·
ولم يعد التلويح بالتدويل من قبيل الضغط، فهناك إشارات واضحة في هذا الصدد من رؤساء دول ومن الأمم المتحدة صاحبة الشأن في اتخاذ القرار، الأمر الذي يُعطي جولة موسى الحالية صفة الفاصل بين مرحلتين على أمل وثقة بأن تكون باتجاه التوافق على الحل المتكامل تلافياً للمحاذير وعدم إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراعات المتعددة الوجوة، فتفجير أمس الأول، وإراقة دماء جديدة وما سبقهما أكثر من إشارة الى التأزم أكثر، الأمر الذي يدعو الى عمل وطني شمولي للإنقاذ وقطع الطريق على التحذير ذي الأهداف المختلفة·