لعلّكــــم تجــــدونـــــه ؟!
راجح الخوري
عندما قال عمرو موسى للصحافيين أول من أمس: “تفاءلوا بالخير لعلكم تجدونه”، بدا كأنه حتى قبل أن يبدأ جولته الجديدة، لم يعد يملك في لبنان ومع بعض اللبنانيين، ما يدعوه الى “التفاؤل” او ما يجعله مؤمنا بوجود “الخير” وسط جنون “العصفورية السياسية” الذي يتعاظم يوما بعد يوم، والى درجة ان البعض صار يلوح بالحرب والويل والثبور وعظائم الأمور ولكأن لبنان لم يعرف هذا البؤس من قبل!
لعلّكم تجدونه؟!
إذا هناك شك عميق بامكان العثور على الخير، وسط هذه المساحة اليائسة والسوداء من الصراعات والتناقضات والنكايات التي اجتمعت فيها الانقسامات الداخلية والمواجهات الاستراتيجية الاقليمية، وأضيف اليها مقدار هائل من الاوهام الشخصانية وغطرستها التي تفوق كل تصور!
لاندري في الواقع الى أين يمكن أن يفضي الاجتماع الذي عقد أمس بين الرئيس أمين الجميل والنائب سعد الحريري من جهة والجنرال ميشال عون من جهة ثانية. ولكن قياسا بالاجتماعين السابقين بين الحريري وعون، وفي ظل التصعيد المحموم والقصف المركز الذي تتعرض له “المبادرة العربية”، من أوساط المعارضة، وهو قصف سيزداد على ما يبدو بتشجيع خارجي واضح لا يحتاج الى شرح، فان القول “لعل وعسى” يظل أفضل تعليق على نتائج هذا الاجتماع وما يمكن ان تؤول اليه الامور في النهاية”.
ان أفضل ما في هذا الاجتماع هو مشاركة الرئيس الجميل فيه، بما يقطع الطريق على بعض “الغيارى على المسيحيين” ويمنعهم من تكرار الزعيق ان ارادة مسيحيي 14 آذار باتت رهينة في قصر قريطم.
ومتى هذا الزعيق؟
عندما يتم رفع البطريرك مار نصرالله بطرس صفير على صليب الاتهامات غير المسبوقة في تاريخ الكنيسة المارونية، وعلى نية “الانتصار” للمسيحيين وحقوقهم في هذا الوطن البائس!
في أي حال ليس خافيا على أحد ان “المبادرة العربية” كانت هدفا للقصف حتى قبل صدورها عن الاجتماع الاستثنائي للوزراء العرب. وهو اجتماع لاقى كثيرا من الانتقادات المبطنة في بيروت منذ الاعلان عنه.
ولأن المبادرة جاءت أقرب الى وجهة نظر الاكثرية سواء لجهة الدعوة الى انتخاب رئيس الجمهورية فورا، وتشكيل حكومة فورا وفق النص الدستوري ولا تتسع للاستئثار او التعطيل بل يكون الترجيح فيها من حصة رئيس الجمهورية، لأجل هذا بدا منذ عشرة أيام ونيف أن المطلوب دفن هذه المبادرة وسط التفسيرات اللبنانية والتناقضات والشروط العرقوبية، ولعل في مقدم هذه الشروط اشتراط الاجتماع بين الحريري وعون رغم قول موسى لدى وصوله في المرة الماضية ان المبادرة لا تحتاج الى قاموس او أطلس!
ماذا يعني هذا؟
يعني في بساطة كلية انه لو صفت النيات وكنا فعلا نحرص على مقام رئاسة الجمهورية الماروني وعلى حقوق المسيحيين من غير شر، لكان يجب النزول فورا الى البرلمان وانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان الذي لاقى اجماعا محليا وعربيا ودوليا، رئيسا يقوم فورا بتحويل الاستشارات النيايبة لتشكيل الحكومة الجديدة، اطارا جامعا لحوار وطني لا يترجم محتوى “المبادرة العربية” فحسب، بل يرسي حدا أدنى من الثقة المفقودة كليا بين الاكثرية والمعارضة، بحيث نبدأ سلوك الطريق الذي يفترض ان يوصلنا سريعا الى الاستغناء عن التراشق بالشروط والارقام واعداد المقاعد الوزارية كمنطلق للإطمئنان المزعوم، لأن الاطمئنان الحقيقي ينبع من الثقة الحقيقية بين كل الافرقاء اللبنانيين وهذه الثقة هي الاساس المتين والراسخ للشراكة والوحدة الوطنية على ما يفترض.
ولكن المؤسف أن الامور تذهب في اتجاهات تعميق الشكوك والمخاوف المتبادلة. ويستطيع المرء قياسا بالمسار الكارثي للأزمة حتى الآن، أن يجزم رغم كل شيء ان “المبادرة العربية” لن تمر لا بل انها ماتت وشبعت موتا، بعد موت المبادرة الفرنسية وقبل ذلك تعطيل المساعي الحثيثة والدؤوبة التي بذلتها السعودية ومصر كما هو معروف.
واذا صح أن الامين العام للجامعة العربية قد أوضح أول من أمس لمن التقاهم انه ليس مع التفسير الذي تتبناه المعارضة بشأن تشكيل الحكومة على قاعدة المثالثة “لأن هناك أكثرية في نهاية المطاف جاءت نتيجة انتخابات”، فان سعادته سيكون مع المبادرة هدفا للقصف المركز، وهو قصف بدأت طلائعه منصبة عليه شخصيا أول من أمس.