#dfp #adsense

بكركي ترفض المواجهة رغم النصائح والاستفزازات

حجم الخط

بكركي ترفض المواجهة رغم النصائح والاستفزازات

سركيس نعوم 

  

ترك الاعتداء المباشر على بطريرك الموارنة مار نصرالله بطرس صفير في بكركي مقر البطريركية عام 1989 من مجموعات شعبية مسيحية حشدها   عدد من كبار المتحمسين لرئيس الحكومة الانتقالية آنذاك العماد ميشال عون في الشارع، كانت تعترض على تغطيته مسيرة وقف الحروب في لبنان ومنع تدميره على رؤوس بنيه ومحاولة المحافظة على حد ادنى من الوجود المسيحي الحر والفاعل في لبنان سيد ومستقل، رغم ان من تؤيده تسبب لكل هؤلاء بارادته او من دون ان يقصد بضرر لا يزالون يعانون آثاره – ترك هذا الاعتداء اثراً سلبياً جداً في نفس البطريرك. لكنه لم يستغل ما حصل له لتصفية الحساب مع عون مثلما يفعل معظم السياسيين ومعهم رجال الدين المسيسون. وكان قادراً على ذلك، بل طواه في ذاكرته وراح يدافع عن عون بعد نفيه وعن مناصريه في بيروت. فدعا الى عودته والى عدم اضطهاد مؤيديه. وتحولت دعوته مع الوقت حملة سياسية كبرى شملت ايضاً قائد “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع الذي سجن بعد اتهامه بقضية لم يُثبت القضاء مسؤوليته عنها. وكان الدافع الى ذلك اقتناعه بان العلة لم تكن في اتفاق الطائف الذي قد يكون مليئاً بالثغر والعلل، وانما في عدم تطبيقه او في تطبيقه جزئياً، وبأن مسؤولية سوريا عن هذا الامر كبيرة او ربما وحيدة، وبان الهدف منها  السيطرة نهائياً على لبنان عبر ضرب كل المواقع اللبنانية فيه وشرذمة كل القوى التي ناهضتها علناً، علما ان القوى التي سايرتها في سياساتها كان معظمها يضمر شيئاً آخر مناقضاً. وقد ظهر ذلك بعدما طفح الكيل عام 2005.


وترك التعرض المباشر بالنقد القاسي، واحياناً بما هو اكثر منه، لبطريرك الموارنة مار نصرالله بطرس صفير منذ عام 2005 من العماد ميشال عون العائد من منفاه، وخصوصاً بعدما سلك خطاً سياسياً اعتبرته بكركي مضراً بلبنان ووحدته وعيشه المشترك وسيادته واستقلاله – ترك هذا التعرض بدوره اثراً كبيراً في نفس البطريرك. لكنه، رغم ذلك، طوى هذا الاثر في الذاكرة من دون ان ينساه لانه لا ينسى عادة ولم يتجاوب مع الدعوات الكثيرة التي وجهها اليه سياسيون واحزاب وقيادات مسيحيون ومسلمون سواء لرفع الغطاء عن الرئيس السابق للجمهورية العماد اميل لحود ليسهل اسقاطه او لمواجهة “التيار العوني” الذي اخلّ كثيراً بميزان القوى في الداخل بعد انفصاله عن فريق 14 آذار وتحالفه مع فريق 8 آذار رغم تناقض اهدافه ومنطلقاته معه ومع داعميه الاقليميين. وكان، اي البطريرك، قادراً في اكثر من محطة منذ 2005 على خوض معركة ناجحة ضد الاثنين، لكنه رفض التجاوب مع هذه النصائح حرصا منه على عدم دفع الوضع المسيحي الى مزيد من التشرذم والضعف وادخال لبنان في فوضى لن تكون عواقبها سليمة، وتمسك بموقفه هذا بل بـ”حكمته” هذه رغم اقتناعه بان الضرر الذي تسبب به هذا الزعيم كبير جداً، وبأن اللبنانيين ولا سيما المسيحيين سيلمسون ذلك لاحقاً.


اما الوزير والنائب السابق سليمان فرنجيه الزعيم المسيحي في شمال لبنان فقد تركت تصريحاته بدورها اثراً سلبياً ومؤلماً في نفس بطريرك انطاكية وسائر المشرق للموارنة واكثر من مرة، منها يوم اعتبره مناصروه في احتفال حزبي انه “البطرك” الحقيقي للموارنة. ويوم اتهمه وان بعفويته غير المنضبطة، بأمور يفترض ألا يتهم بها رجل الدين او اي رجل في مثل سن البطريرك. ومنها اخيرا يوم قال ان صفير موظف لدى السفارتين الفرنسية والاميركية ثم عندما اتبع قوله هذا بعد يوم او يومين بحملة شعواء تضمنت تجريحاً واساءة ظهرا للعيان انهما غير عفويين، كما ظهر ان للحملة اهدافاً ابعد من ذلك قد تكون الاستعداد لتقسيم “بكركي”  أي الكنيسة المارونية او للسيطرة عليها بعدما فتحت معركة خلافة البطريرك صفير جهات عدة سياسية وعلمانية وكنسية في لبنان منذ رحيل البابا السابق يوحنا بولس الثاني عن هذه الدنيا. وقضم بكركي او السيطرة عليها لا يمكن الا ان يوظّف سياسياً في الصراع الداخلي المحموم وفي الصراع الاقليمي – الاقليمي والاقليمي – الدولي الدائر في لبنان الساحة. ومن يقترب من كواليس الكنيسة، وربما دهاليزها، يكتشف ان فيها الكثير من الشبه مع دهاليز السياسة والسياسيين وكواليسهم ولا سيما  الانتماءات والولاءات المحلية والسعي الى السلطة بصرف النظر عن الوسائل التي تستعمل لذلك. الا ان البطريرك صفير واجه هذه الحملة التي بدأت منذ 2005 وتأججت اخيراً بتجاهل ارادي للنصائح التي وجهت اليه بمواجهة الزعيم الشمالي المسيحي الشاب مؤثراً اعتماد حكمته المتأصلة على ردود الفعل التي غالباً ما تكون غرائزية، ومتجنباً الى حد بعيد التمثل برجال السياسة في صراعاتهم السياسية والشخصية.


طبعاً ليس القصد من هذا الكلام تنزيه بكركي صفير عن الاخطاء واعتبار أنها تجسّد وحدها الصدق في العمل والتضحية من اجل لبنان الرسالة والاستقلال والحرية والسيادة والوجود المسيحي فيه، وان الآخرين لا يهتمون الا لمصلحتهم وانهم من اجل تحقيقها او المحافظة عليها جاهزون للتخلي عن الكثير من العزة والحرية والموقع للغير في الداخل او في الخارج.

 

وليس القصد تحريضها على مواجهة قد تزيد شرذمة المسيحيين، وهي هدف مزمن عند شقيق اعتبر من زمان، وكان محقاً، انهم جبهة الممانعة او بالأحرى الرفض الوحيدة لسيطرته على لبنان وعند عدو اعتبرهم من زمان عديمي الوفاء وغير قابلين “للاستزلام”، بل القصد من كل ذلك دعوة القادة المسيحيين، على تنوعهم وتناقضهم، اولا الى المحافظة على الصرح البطريركي اياً يكن المتربع على كرسيه لانه أثبت اكثر من مرة اخلاصه للبنان بكل “شعوبه” وفي مقدمهم المسيحيون، والتفاهم في ما بينهم كي لا يكونوا وقود المواجهة الاسلامية – الاسلامية الداخلية الممنوعة من المسلمين الكبار في المنطقة عربا واعاجم وتالياً اداة تغليب فريق فيها على فريق آخر او على اكثر من فريق. ذلك انهم سيكونون اول من يدفع الثمن، ولن تفيدهم لتلافي ذلك علاقة مميزة مع شقيق وجار، او مع اشقاء غير جيران، او مع جهات دولية فاعلة. فهل يستجيبون للوحدة ام يكررون مع صفير ما فعله بعضهم مع البطريرك الراحل خريش؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل