كونوا في السكوت
نشرة ليسيس
كان مؤسس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميل يردد بلا كلل او ملل ان ثلاث محظور التعرض لها لأن المس بقدسيتها يعني نهاية لبنان: رئاسة الجمهورية،والبطريركية المارونية، وقيادة الجيش اللبناني، وقد كان الرجل الوطني الراحل محقاً في قوله تماماً وهو عمل على هذه المسلمات طوال 50 عاماً من تعاطيه الشأن العام السياسي والوطني في لبنان. ويبدو ان النظام السوري الساعي هذه الأيام الى إسقاط لبنان الوطن بعد عجزه عن ابتلاعه والهيمنة عليه وجعله إقليماً يدور في فلك سوريا يحفظ هذه الوصايا، ولذالك نراه يضع في أولى أهدافه العمل على إسقاط المواقع الثلاثة كمقدمة ضرورية ملحّة للوصول الى تحقيق مبتغاه، وهكذا نراه مستعيناً بحلفائه اللبنانيين يعرقل منذ أيلول 2007 اتمام الإستحقاق الرئاسي تحت حجج وذرائع لا تُقنع أحداً، وكلما عالج الوسطاء عرباً وعجماً سبباً او ذريعة اوجدت دمشق بديلاً كي يستمر الفراغ الذي هو على ما يبدو المدخل الأول للمخطط المرسوم للوطن الصغير. وبعد الرئاسة كان الجيش اللبناني هو الهدف الثاني، وهكذا نقرأ أسباب اندلاع معارك نهر البارد وتحذير حزب الله الجيش في أيام المعارك الأولى من العمل على الحسم العسكري، وإعلان الأمين العام للحزب مخيم نهر البارد خطاً أحمر يُمنع مقاربته، ولو استجابت القيادة للتحذير – الحزب إلهي – لكانت المؤسسة العسكرية قد أصيبت مباشرة في “مقتل” عدم الدفاع عن شرف وكرامة جنودها الذين ذُبحوا غدراً، وعندما تجاوزت القيادتين السياسية والعسكرية التحذيرات وأتمّت “باللحم الحي” واجبها في المحافظة على القسم بحفظ سلامة لبنان والدفاع عن أرضه وكرامته، اكتشفت دمشق ومعها حلفاءها ان “ما فات قد مات” وان لبنان المؤسسة العسكرية صار هو الآخر خارج نطاق الوصاية والهيمنة، ومن هذه النقطة بالذات يصير مفهوماً أسباب عرقلة النظام السوري وأتباعه البلديين انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وتتأكد مقولة الرسالة التي بعث بها السيد حسن نصرالله للعماد عون من ان سليمان لن يصل الى سدة الرئاسة مهما طال الزمان! وأن بعض التغيير في المعطيات الإقليمية والدولية ستعيد عون مرشحاً قادراً على الوصول بالشروط السورية والبلدية المعروفة، وتصير تالياً سلة المطالب المدسوسة في جيب عماد لبنان مقروءة وواضحة في شروطها وتعقيداتها. ولا يمكن لمراقب انطلاقاً من هذه الثوابت الا ان يربط استشهاد اللواء الركن فرنسوا الحاج بما جرى في نهر البارد، ليس تحت يافطة فتح – الإسلام كما يردد بعض السذج، بل تحت العنوان الكبير الذي يحمل كلمات معبرة جلية: لا أحد قادر على حماية لبنان واللبنانيين من غضب الشقيقة التي تشعر بالذل والمهانة من طريقة إخراجها من لبنان – حتى ولا الجيش اللبناني – .
وتبقى بطريركية انطاكيا وسائر المشرق للموارنة والتعرض لها بحسب المخطط السوري يؤدي في هذه المرحلة الى إصابة عصفورين بحجر واحد: ضرب الراعي يشتت الخراف أولاً، وإسقاط البطريرك واستبداله يقطع من جهة ثانية بين القرار الدولي العامل والساعي الى المحافظة على سلامة لبنان واللبنانيين وبين الداخل بما يسهل أخذ هذا الداخل “غلاباً”. أما العناوين التي تستخدمها دمشق للهجوم على البطريرك فتصير تفاصيل صغيرة حتى ولو كانت الأسماء برّاقة: العماد ميشال عون الذي فقد البوصلة السليمة في سعيه “المشبوق” الى كرسي الرئاسة الأولى، وسليمان فرنجية المصّر على تبعيته للسوريين ولو أدى الأمر الى تثبيت الكنية التي يصّر أتباعه على مناداته بها تحبباً “سليمان الصغير”، وهو في موقعه الراهن يعطيها صدقية وإخراج قيد صحيح ممهور بتوقيع المعلم في “ريف دمشق”.