#adsense

شهادة لأدمون رزق في البطريرك الماروني: إبقَ حيث أنت… كما أنت

حجم الخط

شهادة لأدمون رزق في البطريرك الماروني: إبقَ حيث أنت… كما أنت

 
نقلاً عن المركزية: لمناسبة ما يتعرّض له مقام البطريركية المارونية، تنشر “المركزيّة” شهادة الوزير السابق إدمون رزق، تعيد الى الذاكرة تجارب قاسية من واقع التمزّق الماروني والتدمير الذاتي:


ادمون رزق للبطريرك الماروني:


إبْق حيث أنت، كما أنت!


يوماً يوماً، كلمةً كلمة، صلاة، عظةً، رقيماً، رسالةً وبياناً، زياحاً وقداساً، زيارة وجولة، داخلا وخارجاً، مدى اثنين وعشرين سنة من الحبرية، تأهل مار نصرالله بطرس صفير لمكانة خاصة تتجاوز المكان، ودور فريد في الزمان. بطريركُ الموارنة، طائفة النسّاك والرهبان، القديسين والقديسات، الفلاحين والرعاة، حفظة الضاد، موقدي سرج النهضة العربية، في عتمة التجهيل، وطَمسِ الهويات، الجامعين أغرب نقيضينِ: وحدة الايمانِ البطرسي، الانطاكي السرياني الروماني، والتمزق الأخوي، القبلي والعيلي.


سيّدي، أبا الغبطة والنيافة، ها نحن رعيتك، نعترف اليك، قدام الله والناسِ، بأننا نعايش ازدواجية مذهلة، فقد استعصينا على الانشقاق، منذ فجر المعمودية، أوفياء بإرث ابينا الروحي، إسماً وانتساباً، على الجباه وسماً، وفي الحنايا ناراً تضطرم… لكننا لا نبرح نتشقق من داخل. حملنا رسالةَ الإلفة والانفتاح، شرقا وغرباً، ومارسنا الخصومةَ الشخصيةَ والتحزبيةَ، حتى التدمير الذاتي.


بطول أناتك وحكمتك، ثباتك في الحق، صبرك على المكاره، معاناتك وغفرانك، تظل، ايها السيد السند، مرجعنا، وقبلتنا، ونظل نتنازع المقَدميةَ، نتقاتل على السلطة، حتى الالغاء والتصفية، متمسكين بالحرية حتى الموت والإبادة!


نرتد عنكَ، ثم نرتدّ اليك. يزين لنا ان نشطر ونتشاطر، ثم نهرع الى كرسيِك، ونلوذ بعباءتك… نتوهم أن نتخطاك، ولقد يلوح لنا التباهي والاعتداد، فننكرك، ونغتابك، ثم تعيدنا الحقيقة الى أفيائك، انت الثابت وسط المتغيّرين. لأنك الصخرة.


لبنان أكثر من وطن، والبطريرك أكثر من رئيسِ طائفة. لبنان رسالة، والبطريرك رمز!


الرمزية لا تقاس بالحجم، بالعدد والكمية. هي دلالة المحدود الى المطلَقِ. القربان ذرّة طحين لَوّحتها النار، بوركت وكسرت، فأضحت خبز حياة.


أيها السيد، ما كانت هذه الكلمة لولا أنها لشهادة. فلأنت بطريرك المصالحة والوفاقِ، بطريرك الرجاء، وعد الفَرج في موعدِ المأساة، الأكثر احتمالاً، الأجزل صفحاً، المتجرّد، المترفع، المنزه، الصبور، المثابر، من تلقّى الطَعناتِ بصدره والخاصرتين، ولم يقل كلمةَ سوء.


نصرالله بطرس، كشف رسولي في عصر التجربة الوجودية، وعلى مثال يوحنا بولس الثاني، مكلف مهمة مستحيلة: أن يجمع الشتات، يضم الأجنحةَ، يهدّىء الروع، ويبقي الجذوة وهّاجة فوق منارات الأمم!


دورك التاريخي، ايها السيد، أن تصون قيم لبنان، تمثل خصوصيته النموذجيةَ، فرادته الكيانية وريادته الانسانية.


لقد آليت أن تستعيد لبنان، الوطن والدولةَ، لا لبنيك فقط، بل لبنيه، يقيناً انه إما أن يكونَ كله لجميعهم، وإما ان لا يبقى منه شيء لأي منهم… شرطُ وجوده أن يظل كاملاً، أكبر من ان يحتوى، وأصغر من أن يقَسَّم. هذا كلام لنا، قلناهُ منذ ثلاثين سنة، وقد سرنا أن يصبح شعاراً للكثيرين !


سئلنا، يا سيدنا: ماذا ننتظرُ منك، بعد وايضاً ؟


عفوك، معلم الروية والتؤدة، على ما قد يبدو لَجاجة عليك، او هروباً منك اليك… اللبنانيون المصابون بألف خيبة، الموجسون شراً، المفطورة قلوبهم مما يسمعون ويقرأون ويشاهدون، لا يجدون غيرك من يحطون عنده الأمل، ويلتمسون الجواب.


أنت المتجذر في قنوبين، المضمخ بعطرِ قاديشا، حارس ذخائر المكرّسين، بت قطب الثقة لدى قومِك… دعك، يا سيدي، من الطوباوية، فالمسألة لا تتعلق بالدينِ، والطائفة والمذهب… الموضوع مرتبط بالوضع: الشعب يشعر بالخطر ويثق بك أنت. إنه يطلب منكَ آية !


الطيبون، المخلصون، وهم الاكثرون في بلادنا، يعتقدون بكل بساطة، أن دورك في حل معضلَة الوطنِ، أساسي وحاسم. المحب والمبغض كلاهما، مطمئنانِ الى وجودِك، ولا أحد يقبل فكرة أنك (في الثامنةِ والثمانين)، قد تكون تعبت واستنزفت، واستنفدت قاموس اللغة، بين تورية وإفصاحٍ، موجّهاً ومنبّهاً، من غيرِ طائل… يتشبث الناس بك منجداً، يأتونك وفوداً، ملاذاً للشكوى، وفي التيه مرشِداً.


حملك ثقيل، يا سيدنا، ولا احد مستعد أن يمسَّه بِطَرف إصبَعِه.


الخدمة… الخدمة!.. هي مقياس الكبر، الملك والرئاسة، القيادة والزعامة، الوزارة والنيابة، الوظيفة وكل مسؤولية، في العام والخاص… متى نفهم ذلك؟.. متى نتعلم أن السلطةَ المعنويةَ هي العظمى، وانها بذل النفسِ، لا تكديس المقتنيات؟! يوم “خميس الجسد”، أتممت الشعائر، انحنيت على أرجل الاثني عشر، مثل مسيحك، غسلتها، جففتها بمنديلك، قبلتها بشفتيك… وهكذا فعل بنديكتوس السادس عشر، في المدينة الخالدة، امام العالم.


المنتظر من البطريرك، الكاردينال، الخادمِ، هو في حجمِ الفراغ من حولنا، والخطر المحدقِ بنا، والحاجة المحلة الى منقذ… الى الأبوّة الصالحة، والقيادة الواعية، في حكم شريف، نصوح، صدوق !


ايها السيد، أفما ترى القوم، انّى توجهت، قواصد نحوك، فحيث انت المحجّةُ، وكلنا اليك حجيج ؟!


هو الرب من اشارَ بالطلب والسؤال، وقَرْعِ الابواب. لَئن سئلت عنباً، فلأنك الكرام. ولئن طلب اليك ان تدلَّ على موضع إِلقاء الشبكة، فلأن المعلم هكذا فعل، أشار لبطرسَ الهامةِ، سميك، فكان الجنى الوفير، بعد ان كادَ النهار ينقضي، والشباك خاوية.


السيد يعرف اللج والأنواء، يسبر الأغوار، فيشير، يوصي ويوحي، لتحل البركة: “برخمور ريش ريش كوهنه”!


لقد استقر في وعيِنا الجماعي، من ذاكرة الأعوام (الاثنين والعشرين)، أَنك رجل صالح، لا بديل من قرارِك، ولا غِنى عن خيارك، فليلهِمك الرب الإله، الواحد الأحد، الكامل الصمد، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وسائرِ الأيام والسنين، الرافع السماوات، المعلق المجرات، البادع الأرضين… المعلم بالقَلَمِ، المكوّن كل شيء من لا شيء، المتجسد فداء وخلاصاً، الروح الحي القدوس، الناطق بالأنبياء والرسل…


دعاؤنا، ايها الشيخ الجليل، أن يحنو عليك، ويأخذ بكلتا يديك، فتدأب عظات، ومبرّات، وتستمر وقَفات ومواقف، حتى قيامة لبنان بالمجد…. فابق حيث أنت، كما أنت !

المصدر:
الوكالة المركزية

خبر عاجل