إحراق سليمان لدفن المبادرة !
راجح الخوري
تكفي الضحكات الصفراوية جدا التي بانت على وجوه الرئيس امين الجميل والنائب سعد الحريري والجنرال ميشال عون للدلالة على مدى الهوة التي لا تزال تفصل بين الاكثرية والمعارضة، او للدلالة على ان “المبادرة العربية” لم تتمكن حتى الآن من وضع قاعدتي الجسر بين الطرفين.
اذاً، كان الاجتماع مساء الخميس لاظهار “حسن النيات” امام اللبنانيين والعرب طبعا. ولكن في وسع الذين استمعوا جيدا الى كلام عمرو موسى بعد الاجتماع وتأملوا جيدا في “الضحكات الصفراوية”، وقرأوا جيدا ما وراء التسريبات التي نشرت امس عن وقائع المناقشات وقد عكست شبه مرارة عند اهل المعارضة، في وسع هؤلاء ان يسارعوا الى القول ان المجاملات حياء او استدراكا لما قد يحصل في الاسابيع المقبلة، لا يمكن ان تضع حلا، وان “تدويخ” العرب والعالم بالشروط العرقوبية والانقلابات في المواقف والسياسات، وربط السياسات بالمصالح الخارجية وحساباتها الاستراتيجية، لا يمكن ان تنقذ لبنان الذي يسرع الخطى نحو الوقوع في الهاوية!
وعندما يقول الامين العام للجامعة العربية انه تم التفاهم على بعض الامور وبقيت نقطتان تحتاجان الى مزيد من الجهود، فانه لا يريح احدا. على الاقل لان كل اللبنانيين يعرفون ان الخلافات الجوهرية بين الاكثرية والمعارضة حيال “المبادرة العربية” انما تتركز في هاتين النقطتين تحديدا اي الانتخاب الفوري للعماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتشكيل الحكومة على قاعدة عدم التعطيل وعدم الاستئثار والارجحية للرئيس.
اذاً، ماذا حصل في الاجتماع الاول من فوائد وايجابيات لم يتوان البعض في اعتبارها انجازا ويا للغرابة، الا اذا كان اللقاء بين الزعماء اللبنانيين صار من انجازات القرن والله اعلم؟!
عملياً لم يحصل شيء، باستثناء اشارات تحتاج الى تأكيدات لاننا في بلد الفبركات واختراع السيناريوهات وضخ الاخبار الملغومة احراجا للخصوم. هذه الاشارات قالت ان الاكثرية التي تستهول استمرار الفراغ في رئاسة الجمهورية بسبب مواقف المعارضة، اوحت انها قد توافق على تعديل الدستور من دون ان يمر في الحكومة، تسهيلا لانتخاب العماد ميشال سليمان. لكن هذا الامر يحتاج طبعا الى التأكيد.
على ان ما هو اهم من هذا واخطر بكثير يتمثل في الحملة المتصاعدة التي تشنها قوى المعارضة ضد العماد سليمان الذي كانت تقول انه مرشحها. وهي حملة لا تهدف الى احراق قائد الجيش فحسب، كمرشح اجماع محلي وعربي ودولي لرئاسة الجمهورية، بل تهدف ايضا الى نسف المبادرة العربية واعادة الامور الى الوراء اي الى النقطة التي كانت تمثل اختلافا بين الاكثرية والمعارضة على اسماء المرشحين.
واذا تذكرنا ان “المبادرة العربية” ارتكزت في منطلقها وحيثياتها على مسألة اجماع اللبنانيين على قائد الجيش رئيسا، فان اسقاط هذا الاجماع لا يحرق سليمان وحده بل يحرق “المبادرة العربية” تحديدا.
واذا كان من الواضح والمفهوم ان المعارضة تريد ضمنا دفن المبادرة المذكورة في اسرع وقت، لكنها لا تريد ان تبدو امام العرب كأنها ترفض وساطتهم تكرارا على ما يعرف عمرو موسى وغيره جيدا، فان اسقاط الاجماع على قائد الجيش عبر توجيه الانتقادات المتزايدة اليه ومحاولة تصويره زورا طبعا، بانه اقرب الى الموالاة منه الى المعارضة لنزع صفة الحياد عنه والإجماع عليه، انما يمثل هجوما التفافيا على “المبادرة العربية” لم يعد خافيا على احد.
واذا كانت النيات قد وصلت الى هذا الحد، فان موسى الذي صار يعرف اصول اللعبة في لبنان، يدرك تماما انه قد لا يتمكن في الاجتماع الثاني الموعود بين الجميل والحريري وعون من ان يجد مخرجا للنقطتين العالقتين، ولا ندري بعد وصوله الى مواجهة الفالج تكرارا، اذا كان سيكشف الحقائق كاملة حول التعطيل والمعطلين الذين نسفوا المبادرة العربية، وذلك في التقرير الذي سيرفعه الى وزراء الخارجية العرب في 27 الشهر الجاري.
ثمة هنا ما يعيدنا الى كلام قائد الجيش الذي قال يوم الاربعاء الماضي انه يشعر “كأن بين يدي قنبلة موقوتة اعمل على تأخير انفجارها وتفكيكها لان حصول الانفجار سيصيب الجيش والمقاومة والوطن(…) وان ايجاد الحل الحقيقي يبقى على عاتق اللبنانيين”.
انها قنبلة ترتفع “تكتكة” توقيتها في كل البيوت والقلوب في هذا البلد البائس الا عند الذين يمسكون بصاعق تفجيرها.
وكان الله في عون لبنان واللبنانيين.
انها قنبلة ترتفع “تكتكة” توقيتها في كل البيوت والقلوب في هذا البلد البائس الا عند الذين يمسكون بصاعق تفجيرها.
وكان الله في عون لبنان واللبنانيين.