سلاح المشهديات الإعلامية
الأب ميشال سبع
عندما كان الإعلام قديماً مقتصراً على الرموز، كان همّه الإعلان عن الإعلام، فعندما كان ينتصر القائد الروماني في معركة، كانت الحامية الصغيرة المنتشرة على التلال من مكان المعركة حتى روما تشعل النار فتنقل خبر الانتصار خلال فترة قصيرة من الوقت لا تتعدّى الساعات في حين ان أي فارس من الفرسان يحتاج إلى أيام كي ينقل خبر الانتصار. كذلك عندما كانت تعلن قبيلة ما في افريقيا الحرب على قبيلة أخرى فإن قارعي الطبول كانوا ينبّهون كل الشبان في الغابات أن يلتحقوا برفاقهم في ساحة القبيلة. وبقدر ما كان الرمز يعتق بقدر ما كان يعمّم وبقدر ما كان لدولة كبرى أو قبيلة كبرى بقدر ما كان يقلده الأضعف والأصغر وهو يُستخدم من كل الفئات المتعاقبة لأنه ليس ملكاً لأحد بل يدخل ضمن الثقافة الجمعية أو الكونية الحضارية، إذ لم يجد قسطنطين الملك الذي رسم الصليب على مجن جنوده أن يستخدم النار وسيلة لإبلاغ البلاط اكتشاف امّه عود الصليب في القدس، كذلك لم يجد غضاضة في تكريم الصليب الذي كان يُعتبر عاراً منذ أسلافه اليونان، أعطى الرمز معنى مغايراً ومختلفاً وأنهى رمز السمكة الذي كان متعارفاً بين المسيحيين السابقين بحيث صار الصليب علامة التعارف المسيحي والاشهار بالانتماء لهذا الدين، كذلك لم يتوار القادة الأوروبيون من استعمال الطبول في دخولهم الحرب ورغم أنهم أضافوا الأبواق إلا أنها بقيت الوسيلة الأكثر التصاقاً بحماس الهجوم.
مع الرمز الإعلامي كان هناك دوماً مشهد إعلامي أيضاً. فعندما كان القائد أو الأمير أو الملك يمتشق سيفه أمام الجنود ويصرخ بهم للهجوم على الأعداء فإنّ هذا المشهد كان كفيلاً بخلق حالة هستيرية من الجنود للحاق بأميرهم وافتدائه بأرواحهم وغالباً ما كان القادة الآخرون لا يتركون الأمير يتقدم كثيراً بل يحيطون به للوقوف على تلة مشرفة عالية كي يرى المعركة ويوجهها ولكي يراه أيضاً جنوده فيفعلون المستحيل كي لا يخذلوه.
كذلك فإنّ الملك قسطنطين نقل حالة أسقف روما من حالة الحضور الروحي إلى خلق حالة مشهدية ملوكية بحيث حوّل الكنيسة إلى بلاط ملوكي وجعل المواطن العادي الذي كان يعتبر نفسه منتمياً إلى وطن في حضوره اليومي وإلى مسيح في حضوره الروحي إلى أن يصبح الانتماء علنياً واحداً متداخلاً فصار انتماؤه الديني والوطني واحداً. ورغم ان هذه الحالة ليست طارئة ولا جديدة فكل الأباطرة الرومان والفراعنة والملوك كانوا رؤساء الدين والدنيا إلا ان قسطنطين أدخل حالة روحية في الاطار الزمني والناس قبله كانوا على دين ملوكهم في حين ان في حالة قسطنطين صار الملك على دين شعبه. وهذا أكسبه زخماً كبيراً وحباً عظيماً جعل من الكنيسة تعتبره رمزاً في القداسة وصار قديساً من الدرجة الأولى في الكنيسة وصار القداس الاحتفالي الذي يرأسه الأسقف مشهداً إعلامياً بامتياز يعلن فيه الاعتراف في الإيمان بكافة تفاصيله يشارك فيه الشعب بشكل مباشر وحيث تكون كلمة المحتفي اكتمالاً كعملية الشحن المشهدي للإيمان.
عندما تم اختراع الصحيفة الورقية تم نقل الإعلام من حالة جامدة وثابتة في المكان والزمان إلى خارجها وصارت المعلومة موثقة ومؤرشفة لكنها كانت تفتقد إلى المشهدية البصرية مما جعل القيّمين عليها يعمدون إلى تكبير بعض الكلمات للدلالة على هذه المشهدية. وعندما صدرت المجلة الأولى المصوّرة استقطبت القرّاء حيث صار الحضور المشهدي مواكباً للكلمة فتضاعف حجم تأثيرها. وللدلالة على حجم التأثير بين الصحيفة والمجلة يمكن المقارنة بين الراديو والتلفزيون فرغم التأثير الهائل للراديو ولعبه الدور الكبير في الشحن الجماهيري لسياسة هتلر إلا أن ظهور التلفزيون نقل الوقائع إلى أرض الميدان ولعل نقل وقائع حرب الخليج كان محطة نقل الإعلام من التأثر السطحي إلى المشاركة الفعلية في أمور صارت حسّية على المستويين السياسي والاجتماعي وصارت دراسة الإعلام المشهدي تحسب ما قبل حرب الخليج وما بعده وقد أتت صور 11 أيلول وهي تصوّر الطائرة تخترق المركز التجاري العالمي لتخترق عيون وقلوب وعقول ملايين المشاهدين وإذا كان علماء السياسة والاجتماع يعتبرون ان مساراً جديداً للسياسة العالمية قد تغيّر بعد عملية 11 أيلول إلا أن الإعلام المشهدي كرّس نفسه كواقع جديد بشكل غير مسبوق.
ورغم هذا التقدم النوعي في مجال الإعلام إلا أنه لم يلغ الحضور الشخصي وقد تمثل أخيراً بشكل بارز في حضور ساركوزي وبوش إلى منطقة الشرق الأوسط لتغيّر المعادلة السياسية ومهما قيل في التحليل السياسي ان الغاية هي اقتصادية بامتياز وتهدف إلى عقد الصفقات التجارية وعلى رأسها بيع السلاح إلى مدن الخليج العربي بعدما تم صنع فزاعة إيران النووية لإرهاب المنطقة وجعلها تشتري السلاح للدفاع عن خطر مزعوم ومفبرك إلا أن التاريخ الآتي القريب قد يبدّل هذه القناعة إلى قناعة أخرى مفادها أن أمراء الحرب هم في موقع دراسة حقل الرماية وأن حضورهم هو تأكيد الضربة العسكرية، وهذه الصورة المشهدية لبوش وهو يرقص حاملاً السيف قرب العرش العربي ما هو إلا تأكيد للحمة بين العرب المسلمين والغرب المسيحي وهو تسليف للمشهد الذي يرسخ ضرورة لما هو آتٍ.
إن هذه المشهدية إعلام مسبق لما هو آت، وهو سلاح الصورة المفبركة لسلاح ناري آتٍ وبالتالي فإن الدول الكبرى تكرس إعلاماً جديداً حيّاً متحرّكاً في حين تترك الإعلام الكلامي لبلدان الدرجة الثانية أي بلدان ردّة الفعل التي ستتحرك للفعل السياسي والعسكري لبلدان الدرجة الأولى. من هنا يصبح الإعلام اللبناني في تلفزيونات لبنان والجوار هو استهلاك لما قبل المشهدية وهو مستوعب سلفاً ضمن الخطط المنفذة إعلامياً لدول القرار بحيث لا تعود الحرب خدعة وكذبة بقدر ما تكون خدعة مبرمجة، ففي الوقت الذي يتبادل فيه المحللون السياسيون إلى استحالة الضربة العسكرية لأمور منطقية في عالم التوازنات فإن المشهد الحربي لدول القرار ترسم نفسها على خارطة النزال كقرار حتمي لوجودها على خارطة العالم.
الفارق بين ما يتداوله المحللون وبين ما يقوم به أصحاب القرار السياسي والعسكري هو كالفارق بين الصحيفة والمجلة وبين الراديو والتلفزيون. وفي الإعلام اللبناني نستمع سياسة وحرب نرى أفواه الناطقين وحركات أيديهم في حين ان الإعلام المشهدي الحقيقي هو ان نرى حركات أصحاب القرار دون أن نسمع ما ينطقون.
