المعارضة تُدرك صعوبة خيارات التصعيد·· والأكثرية تستعد للأسوأ
المبادرة في أزمة·· والبلد ساحة أستنزاف
المبادرة في أزمة·· والبلد ساحة أستنزاف
حسين سعد
الذين سمعوا الأمين العام لجامعة الدول العربية السيّد عمرو موسى، وهو يُعلن في دمشق، أنه غير متشائم، ولا هو متفائل، من دون أن يذهب الى دعابة التشاؤل أو المتشائل، حتى لا يُذكِّر اللبنانيين برواية إميل حبيبي “أبو سعيد المتشائل”، لكنهم تذكّروا تلك العبارة التي كان يردّدها إبّان جولتيه العام الماضي، قبل أن يقطع الزمن، وتدور عقارب الساعة في ليل 23 – 24 ت2 من دون أن يسلّم الرئيس إميل لحود أمانة القصر الجمهوري، كما تسلّمها من سلفه الرئيس الراحل الياس الهراوي·
وبصرف النظر عن تفاصيل المناقشات التي دارت بين موسى والرئيس بشار الأسد ونائبه فاروق الشرع، الرجل الذي يملك خبرة متجذّرة بالوضع اللبناني وأزماته، وطرائق تبطيء الحلول أو تسريعها، والسبل والوسائل المتبعة في الحالتين، فضلاً عن ناظر الخارجية، وليد المعلِّم، الذي شارك في اجتماعات المجلس الوزاري العربي، في 5 من الشهر الجاري، وكان أحد الوزراء الخمسة الذين صاغوا المبادرة العربية، التي تحوّلت الى أحجية تحتاج الى تفسير، بصرف النظر عن ذلك كلّه، فإن سوريا التي توّجت عاصمتها دمشق عاصمة للثقافة العربية لعام 2008، أدرجت مهمة الأمين العام في إطار أمور ثلاثة، أولها المشاركة في المناسبة ا لثقافية، وثانيها بحث الترتيبات الجارية من أجل عقد القمة العربية في دمشق أواخر آذار المقبل، وثالثها بحث التطورات على الساحة العربية، وخاصة الوضع في لبنان·
يدلّ الترتيب المتدرج، المنوّه عنه، على أن الصيغة العربية للحل لم تكن البند الأول، وبالتالي فإن المساعدة المنشودة من سوريا بقيت معلّقة على الكلام المبدئي المعاد تكراراً ومراراً من أن الدولة “المتهمة” عالمياً وعربياَ بأنها تغذي استمرار الأزمة، هي مع ما يتفق عليه اللبنانيون، أو على الأقل ما يتم الاتفاق عليه في “الحوار الرباعي” من تفسير وآلية إخراج وتخريج لمبادرة النقاط الثلاث: رئاسة ميشال سليمان فوراً، حكومة وحدة وطنية فوراً، وقانون انتخاب عادل··
وفّرت المعارضة بأقطابها الثلاثة، وشخصياتها القريبة من مركز “القرار السوري” الموقف المعترض، من دون أن تنطق به سوريا مباشرة·· فهذا هو الرئيس نبيه بري، الذي تجدّد اشتباكه، مع شريكه السابق في “المفاوضات” النائب سعد الحريري، يُعلن على رؤوس الأشهاد أن تفسير موسى لمبادرة الجامعة لا يتفق مع تفسيره، وبالتالي فمسألة التفسير تحتاج الى اجتماع جديد لمجلس الجامعة، لا سيّما أن المجلس قرّر العودة الى الاجتماع في 27 من الشهر الجاري·
وعلى خط معارض أيضاً، يتمسّك الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله بالمطلب القديم – الجديد، المشاركة في القرار السياسي من خلال حكومة وحدة، مضمّناً موقفه هذا تلميحاً الى انتقادات للمسعى العربي، الذي فسّر بعض مواقفه بأنها تصبّ في الضغط على المعارضة للسير في “تسوية كيفما اتفق”، ولو كان هذا ضرب من ضروب الإستسلام، الأمر الذي فهمته قيادات في الأكثرية بأنه “نعي مجدّد” للمسعى، وإشارة سلبية تجاه التسوية المرتقبة··
أمّا على جبهة المعارض الثالث، والمفوَّض بالحوار مع ممثلي قوى 14 آذار العماد ميشال عون، فقد حلّ به المرض المفاجئ، فطار اللقاء الثاني على مستوى الأقطاب في المجلس النيابي، واستبدل باجتماع ممثليهم، في وقت كان يعود فيه السيد عمرو موسى من دمشق، وكأنه “خالي الوفاض” يبحث عن اكتمال صورة المصالحة العربية، أو المصالحة السورية – السعودية كممرّ إجباري للتسوية في لبنان، التي تصبح تلقائية، من وجهة نظر بري، إذا حدثت المصالحة الكبرى، فينجو لبنان، وتنجو معه القمة العربية··
من المؤكّد أن الضحية الأولى لتأخّر “التوافق اللبناني” حول التسوية العربية، ستكون الجلسة الثالثة عشر لانتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، والمقررة اليوم الاثنين، وهو التأجيل الثاني من نوعه منذ أن صدرت قرارات المجلس الوزاري العربي قبل أكثر من أسبوعين··
ومهما يكن من أمر التهديدات المتبادلة بين المعارضة والأكثرية على خلفية استخدام الشارع لتحسين شروط التسوية، فالواضح، من مجريات الأمور أن “الأزمة في لبنان” تحوّلت الى ساحة لاستنزاف القوى، وإعادة تموضع جديد للقوى لبنانياً وعربياَ ودولياً، في ضوء المشهد الدولي الناجم عن الحركة الأميركية – الفرنسية باتجاه دول الخليج، والنتائج الاستراتيجية والمالية والسياسية والعسكرية التي أسفرت عنها·
تمضي المعارضة باستنزاف الحكومة، وقوى الأكثرية، وجرّ الوضع برمّته الى التآكل على كل الصعد: الاقتصادية والمعيشية والإدارية، ونظام الخدمات من ماء وكهرباء وأسعار وأجور·· وحصر الحكومة في دائرة العجز، وسط الحصار المضروب، حتى إذا خرج الوضع من الدائرة العربية، وهذا مستبعد في المدى المنظور، الى الدائرة الدولية، تصاعدت خطوات المعارضة، وصولاً الى إعلان الأضراب العام المفتوح على ما تسميه أوساط قيادية فيها بالعصيان المدني··
على الخط العربي، يجري استنزاف قوى الإعتدال، وصولاً الى عقد القمة التي تصرّ دمشق، خلافاً لما يتردّد، على عقدها في عاصمتها، ولو كان على أيّ مستوى، وبمن حضر··
أمّا على المحور الإقليمي – الدولي الآخر، أي الإشتباك الإيراني – الأميركي، فحرب الاستنزاف مرشحة للاستمرار في العراق، وإن كانت الاستهدافات للمصالح الأميركية موضوعة على جدول أعمال “الحركات العنفية” المتنامية في غير موقع على امتداد أرض الأزمات الملتهبة، ومن ضمنها الأرض اللبنانية··
السؤال الذي يفرض نفسه، الى أيّ مدى يمكن للوضع اللبناني المأزوم أن يستمر على هذا النحو، وما هي حدود الانفجار الداخلي، وأشكاله، إذا تعذَّر الحل العربي أو أعلن الوسيط موسى أنه غير قادر على الاستمرار، على نحو ما فعل الوسيط الفرنسي، الذي أعلن صراحة عن توقف اتصالاته مع سوريا، من أجل التسوية اللبنانية؟
من طبائع الأمور السياسية أن يأتي وقت يصبح فيه الشكل القائم لاحتواء “الخلاف” بمضامينه كافة عاجزاً عن البقاء كما هو، فلا بدّ من شكل آخر، مع التراكمات المتجمعة، والتي من شأنها أن تُحدث تحولاً نوعياً، يستدعي صورة أخرى للمشكلة، وإطاراً جديداً لضبطها··
لكن تلويح المعارضة بعدم قبول الاستمرار في المراوحة، أو بقاء القرار السياسي في يد ما تسميه “الفريق الحاكم” لا يحمل طابع العجلة، وإن كان يصبّ، في هذه الفترة، برفع السقف، لإنجاح التسوية، وفقاً لرؤية المعارضة المدعومة من دمشق··
لأن المعارضة، التي تتجنّب الذهاب الى كل ما من شأنه زعزعة السلم الأهلي، تُدرك أن لدى قوى 14 آذار شارعاً أيضاً، وهذه القوى تستعد في الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لإظهار قوّتها الشعبية، بعدما دأبت المعارضة على انتهاز الفرص الشعبية للتعبئة، وحشد الأنصار، من أجل خيارات تتناسب مع تطور الموقف السياسي في البلاد، فضلاً عن أن مراجعة دقيقة لتجربة المعارضة منذ أن خرج الوزراء الستة من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، بعد أن كانت نالت شبه إجماع نيابي عند طرح الثقة، تدلّ على أن الخيارات التصعيدية، ليست متوافرة من أن تخدش “الإستقرار اللبناني” الهش، إلا إذا كان هزّ الاستقرار بات مطلباً إضافياً في إطار “لعبة المحاور” التي صار لبنان عنصر الجذب فيها، مع العودة الى “هزّ العصا المتبادل” مع الطرف الاسرائيلي، الأمر الذي يجعل من المبادرات العربية، أو غير العربية، أكثر من مطلب لتجنّب البلد الصغير “حوار التصادم الإقليمي – الدولي” وعواقبه!