هل صحيح أن دمشق لمّحت الى مرشح آخر غير قائد الجيش؟
حشر العرب بين استنزاف الجهود والتهديد بالتصعيد
حشر العرب بين استنزاف الجهود والتهديد بالتصعيد
روزانا بومنصف
حين اجتمع سفراء الاتحاد الاوروبي المعتمدين في لبنان مطلع الاسبوع الماضي في اطار اجتماعاتهم الدورية من اجل تنسيق المواقف وتبادل المعلومات حول آخر التطورات اللبنانية، توقفوا طويلاً عند ما قاله وزير الخارجية السوري وليد المعلم رداً على تصريحات وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط وبعض المواقف العربية التي ربطت انعقاد القمة العربية في دمشق اواخر اذار المقبل باجراء الانتخابات الرئاسية في لبنان. وجاء في كلام المعلم ما مفاده ان بلاده لن تقدم موضوع انعقاد القمة على مصالحها الحيوية، والمقصود بها المصالح السورية الاساسية والكبيرة. وكان ذلك التصريح كافياً بالنسبة الى هؤلاء الديبلوماسيين لادراك ان مهمة الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى التي كانت على وشك ان تبدأ في لبنان سيكون مصيرها الفشل، وان سوريا التي شاركت في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة سجلت لمصلحتها تعاوناً سيكون مشروطاً في المرحلة اللاحقة بتنازلات اخرى، باعتبار ان اسلوب سوريا هو اعطاء مواقف علنية من اجل وقف الحملات والانتقادات الموجهة اليها، حتى اذا ما هدأت الامور نسبياً تعود الامور مجدداً الى النقطة الصفر.
هذا الاسلوب بات معروفاً لدى الدول العربية والغربية التي باتت تتصرف اكثر من اي وقت مضى على ان الكرة هي في ملعب دمشق وليس في ملعب المعارضة خصوصاً في ضوء تكرار الرئيس نبيه بري ان المصالحة الحقيقية بين سوريا والمملكة العربية السعودية كفيلة تأمين الحل في لبنان، وان كان هذا الاقرار يعني ان الافرقاء اللبنانيين هم رهينة للخارج الاقليمي وصراعاته كما يعني عدم امتلاكهم قدرة القرار. لكن مصادر ديبلوماسية واسعة الاطلاع لا تنفي ان مصالح الدول العربية والغربية على حد سواء تملي عليها اعتماد مقاربات مختلفة لعلها تنجح لكنها تثبت في نهاية الامر انها لم تنجح في ذلك.
فهناك من جهة المبادرة او المقاربة الفرنسية التي استطاعت دمشق من خلالها تحقيق اختراق في الموقف الغربي منها، وكان يفترض بوقف التعاون الذي اعلنه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي قال انه يتحدث باسم شركائه الاوروبيين ان ينسحب موقفه عليهم، لكن المانيا استقبلت وزير الخارجية السوري قبل ايام. ومع ان المسؤولين الالمان ابلغوا المعلم الموقف الاوروبي لا بل الغربي والعربي اللازم في موضوع لبنان والذي ينسجم تماماً مع ما سبق ان ابلغه الفرنسيون الى السوريين وكذلك العرب، فان المصادر الديبلوماسية تعتقد ان دمشق اخذت من الزيارة اشارات انفتاح وفك عزلة واعادة تواصل مع الغرب في مقابل عدم التزامها الا تفسيرها لمعالجة الازمة، اي اعطاء المعارضة الحليفة لها في لبنان الثلث المعطل في اي حكومة. لا بل ان ثمة ما وصل الى هذه المصادر يفيد بأن سوريا قد لا تكتفي بالثلث المعطل في الحكومة او ما تقول انه المثالثة الذي هو ترجمة اخرى للتعطيل، اذ تردد في بيروت ان سوريا ابلغت عمرو موسى انه يمكن الاتفاق على بديل من قائد الجيش العماد ميشال سليمان، وانها سمّت لهذه الغاية شخصية سياسية اخرى من بين مرشحين لم تتضمنهم لائحة بكركي، في حين فض موسى، على ذمة ناقلي هذه الانباء، ان يحيد عن الاتفاق الذي تم التوصل اليه من ضمن المبادرة العربية، اي انتخاب العماد سليمان رئيساً. وهو امر فهم منه عدم رغبة دمشق في حصول الانتخابات الرئاسية ما لم تضمن من خلال الشروط التي تضعها المعارضة وضع اليد مجدداً على القرار اللبناني بكل مضامينه.
وتعتقد المصادر في ضوء كل المساعي العربية والاوروبية التي جرت مع دمشق حتى الآن انه يصعب على ما يبدو رؤية العاصمة السورية تتجاوب اولاً مع مساعي عربية تقودها مصر في الدرجة الاولى في ظل رفض سوري لأي دور لمصر، وهو امر تبلور كثيراً خلال الحرب الطويلة في لبنان رغم العلاقات الطبيعية بين البلدين ظاهراً. كما ان سوريا على ما تعتقد هذه المصادر تفيد من توجه كل الاتصالات والمساعي مجدداً اليها من اجل المساهمة في حل الازمة اللبنانية، بما يعني ذلك من اقرار عربي ودولي تم التعبير عنه في شكل او في آخر في المرحلة الاخيرة بالقول ان لسوريا نفوذاً كبيراً في لبنان. وهي تنوي الافادة من هذا الاستقطاب مجدداً حتى النهاية اذا صح التعبير، وتراهن على ان يصل في مرحلة من المراحل الى تكليفها مجدداً حل الازمة السياسية في لبنان متى تعب المجتمع العربي والدولي من التوسط معها لحل الازمة. وذلك ما لم تشعر دمشق بأن ثمة ما يعاكس فعلاً مصالحها الحيوية من اجل ان تفرج عن الانتخابات الرئاسية التي تأخذها رهينة حتى الاقرار لها بموقعها مجدداً في لبنان.
لكن المصادر ترى ان العرب لا يزالون يملكون القدرة على استخدام ورقة الضغط على دمشق ان عبر القمة او سواها من اجل تأمين حصول الانتخابات الرئاسية في لبنان. وهذه الخطوة العربية تبدأ بتقديم عمرو موسى تقريراً شفافاً وصريحاً الى مؤتمر الوزراء الخارجية العرب في 27 من الشهر الحالي رغم ان هذه المصادر ترى انه تلقى تحذيراً مسبقاً من عواقب تسمية المعطلين والمعرقلين من خلال تهديد المعارضة في لبنان بتصعيد الموقف الميداني من اجل الضغط على موسى والعرب والاكتفاء بتقرير شكلي يمسك العصا من وسطها. الا ان مسؤولية العرب مزدوجة وخصوصاً موسى مع وزراء خارجية الدول العربية التي طلبت من الدول الاوروبية واميركا ومن الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون عدم اتخاذ مواقف حازمة وقاسية في حق دمشق في اجتماع الدول المانحة للفلسطينيين الذي انعقد في باريس في 17 كانون الاول الماضي. وان عدم قدرة العرب على الاضطلاع بالمسؤولية التي اخذوها على عاتقهم في حض دمشق على التجاوب مع عدم منع الانتخابات في لبنان سيعيد طرح امور اخرى على طاولة البحث.
هذا على الاقل ما تعتقده هذه المصادر، مع انها ترى في الوقت نفسه ان الانتقال من مبادرة الى اخرى يمهل دمشق ويكسبها المزيد من الوقت من اجل تعزيز موقعها واوراقها في حين تتغير الامور في اوروبا وفي الولايات المتحدة ايضاً.
