الى أين يا جنرال؟
نوال نصر
نوال نصر
يوم عاد ميشال عون عصر السابع من أيار عام 2005 من منفاه الباريسي رقص الآلاف في استقباله على وقع أغنية: طلوا حبابنا طلوا… واليوم، بعد ثلاث سنوات على ذاك الغروب، ترقص قلوب أبناء الكنيسة هلعا من أخطاء يمارسها الجنرال باسم المسيحيين!
أين أخطأ ميشال عون؟ لماذا أخطأ؟ من المستفيد؟ علام بنى سياسته؟ هل صحيح أن فريق الرابع عشر من آذار أحرجه فأخرجه؟ هل يتخذ عون مسارا مسيحيا طبيعيا؟ ألا يزال قادرا على التأثير باعتماد الخطاب المسيحي التعبوي؟ ألا يزال هناك من يصدق خبرية الفساد والأوديتينغ التي ينذر بها ويتوعد منذ عاد؟
أخطاء الجنرال العلماني المفصلية في حق أبناء طائفته يقرأها عارفوه وخصومه:
لا نبالغ إذا قلنا أن المسيحيين ملوا أصوات النشاذ التي تعاند باسمهم وتحسبهم بالجملة هنا وبالمفرق هناك! وإذا كان ميشال عون يعتبر نفسه أم الصبي عند المسيحيين ومنقذهم والناطق باسمهم وليس هناك قبله ولا بعده، فهو يستحق منا وبامتياز، أن نصوّب له بإصبعنا على الجروح التي سببها عن قصد أو من دون قصد، للمسيحيين أولا.
خاض ميشال عون منذ عاد عملية تعبئة طائفية بامتياز تحت تفرعات عنوان استرداد حقوق المسيحيين، مطوِّبا نفسه بطريرك السياسة في لبنان، شانّاً الحروب الكلامية على كل جبهات الموارنة، واصفا جماعة 14 آذار بأبناء بناديق لا أبناء سيادة وحرية واستقلال.
لماذا يفعل الجنرال ما يفعله؟ ولماذا يتفوه بما يتفوه به؟ مصدر مركزي سابق في التيار الوطني الحرّ يعطي تفسيرا: استند العماد في سياسته، بعد عودته من منفاه، الى معادلة استراتيجية خاطئة قائمة على منطق أن حلف الأقليات في الشرق الأوسط سيسود، معتبرا ان من مصلحة المسيحيين التحالف مع الشيعة، كأقلية كبرى في الشرق الأوسط، من لبنان الى ايران، ومع النظام العلوي. فانخرط الجنرال في تحالف مباشر مع حزب الله وغير مباشر مع نظام آل الأسد، وفي خلفية هذه المعادلة تقف اسرائيل كأقلية أخرى.
عارفو الجنرال يسهبون في شروحاتهم عن أخطائه، ونائب في المستقبل يمازح بالقول: نحتاج الى آلاف الأوراق لتسجيل هذه الأخطاء. ويبدأ من الآخر: يخطئ العماد حين يصرّ على الفراغ في رئاسة الجمهورية، وعلى شخصنة الظروف المتعلقة بالاستحقاق، وتنازله عن ميشال عون رقم واحد لمصلحة ميشال عون رقم اثنين، بمعنى آخر تنازله عن أفكار الحرية والسيادة والاستقلال لمصلحة أفكار تُقربه من وجهة نظره من موقع الرئاسة. ويثبت كل هذا أنه بتصرفاته في السنتين الأخيرتين خصوصا، أبعد ما يكون عن الشخصية الحوارية وأقرب ما يكون الى عشق الذات.
إذا كانت هذه هي معادلة ميشال عون وتلك هي تنازلاته، فماذا عن تحالفاته الداخلية؟ هل ترضي المسيحيين؟ وهل هي محسوبة بدقة؟ تنفيذا لاستراتيجيته المبنية على التحالف مع الأقليات، خاض عون غمار انتخابات 2005 النيابية. ونجح من خلال بقائه خارج الحلف الرباعي، في خطة سياسية كاملة حضّرها مع حلفائه الشيعة في هذا الحلف، بحسب مقرب سابق منه، في استنفار المسيحيين لمصلحته. ورأينا بالعين المجردة وبأرقام لوائح الشطب، أصوات حزب الله تصب في دوائر زحلة وجبيل وفتوح كسروان والشمال لمرشحي الجنرال.
نجح الجنرال في استنهاض المسيحيين لمصلحته ردا على الحلف الرباعي. وكسب في دوائر عدة بأصوات فريق أساسي في هذا الحلف الرباعي. ضرب عصفورين لمصلحته بحجر واحد.
أخطاء ميشال عون يدفع ثمنها المسيحيون. والخطأ الجسيم الذي ارتكبه، بحسب قيادي كان مقربا منه، هو انزلاقه الى حلف الأقليات في وجه الأكثرية الساحقة في البيئة العربية التي ينتمي اليها لبنان، أي في وجه السنة، فخلق حال عداء عميقة في الأوساط المسيحية التابعة له، ضدّ ما أسماه خطر الأكثرية السنية والإرهاب المالي السني، بينما تكمن مصلحة المسيحيين عمليا في لعب دور فاعل بين مكونات المنطقة العربية، على أساس تحالف الأولويات الذي جسدته حركة 14 آذار التي شاء ميشال عون أن يخرج منها. المنطق الذي ينطلق منه الجنرال المستند الى معادلة الأقليات، ألزمه بالانسحاب من 14 آذار التي تجسد، تحالف الأولويات، أي لبنان أولا والاستقلال والسيادة والحرية أولا والعلاقات المتوازية من الندّ الى الندّ أولا والديمقراطية أولا. هذا هو جوهر ثورة الأرز. هذه هي حقيقة 14 آذار.
هل أخطاء ميشال عون مقصودة؟ هل يفتقر الرجل الى فريق عمل كفي؟ ميشال عون لعارفيه يعزف منفردا: سولو، ومن هم حوله ليسوا من قماشة الباحثين في الفكر الاستراتيجي ولا في مصلحة المسيحيين الاستراتيجية. وإذا كانت هذه الأخطاء استراتيجية فماذا عن أخطاء ميشال عون التكتية؟
خطأه التكتي الأول محوره تحالفه مع الأصوليين في طوائفهم: مع فتحي يكن، مع حزب الله، مع ماهر حمود… في اختصار، مع جماعات تدعو الى بناء الدولة الدينية. وإذا كان حزب الله سكت تكتيكيا عن هذه المطالبة، فهو لا يزال مقتنعًا بها عقائديا. وهذا طبعا يناقض تماما مصلحة المسيحيين. وتحالفات عون هذه تجري على حساب المعتدلين في الطائفتين الاسلاميتين: السنية والشيعية. لقد اختار الجنرال التحالف مع الأصولية الاسلامية، لا التفاهم مع الاعتدال السني والشيعي.
الخطأ الآخر الذي يمارسه العماد عون يتمثل في تأييده جهارا أو ضمنا المثالثة! وكلنا يتذكر مساهمة الجنرال في عامي 1989 و1990 في حربين أنهكتا المسيحيين وانتهيتا الى إنقاص حصة المسيحيين من ست نواب مقابل كل خمسة مسلمين الى المناصفة، خمسة بخمسة. نقل المسيحيين من معادلة الى معادلة. واليوم بعد مضي ثمانية عشر عاما، يمارس الخطأ نفسه ويكبد المسيحيين من خلال سياسته وتحالفاته وطروحاته، خسارة نسبة أخرى تعادل 17 في المئة من مكتسباتهم السياسية، ليشكلوا الثلث بعد النصف، بعد النصف + واحدًا، وهذا طبعا خطأ استراتيجي كبير.
ومن أخطاء الجنرال مطالبته، وتكراره المطالبة، بانتخاب الرئيس الماروني مباشرة من الشعب. وهذا يعني ببساطة شديدة ضرب المناصفة التي أرساها اتفاق الطائف، وتغليب لغة العدد، أي الأكثرية الاسلامية، في منطق الحكم. هو يقول أنها ستكون انتخابات مباشرة لمرة واحدة وحيدة، لكن من يضمن أن يقف بعد ست سنوات من يقول سنعيد هذه الانتخابات مرة أخرى لمرة واحدة وحيدة، كما في التمديد، وبذلك يكرس هذا المنطق مرة بعد مرة، وهنا تكمن خطورة طرحه.
لم ينجح إذاً الجنرال في طمأنة المسيحيين الخائف على حقوقهم والمدافع عن مكتسباتهم والمنتفض لتهميشهم. ماذا بعد؟ ميشال عون يمارس الخطأ الجسيم نفسه الذي بدأه قبل ثمانية عشر عاما. هو يرفع شعارات صحيحة تجسد فعلا مطالب المسيحيين وتداعب أحلامهم وطموحاتهم، لكنه يأخذهم تحت هذه العناوين الى خيارات خاطئة. حشد الجنرال المسيحيين عام 1989 تحت عنوان التحرير، لكنه عاد وأخذهم الى حرب داخلية مدمرة. وعاد وحشدهم عام 2005 تحت عنوان محاسبة الفساد ومواجهة السنة، لكنه أخذهم الى ساحة اعتصام أبدي أضرّ بمصلحة عشرات المؤسسات المملوكة من المسيحيين في قلب العاصمة.
لم تنته أخطاء الجنرال هنا، فهو يبدو حريصا على تقزيم دور الكنيسة الفاعل في الداخل. وعلاقته بالصرح البطريركي في بكركي صدامية دائمًا! فهو يعتبرها تأخذ منه صلاحياته السياسية، وطالما ردد أنها غير منتخبة، متخيلا نفسه الممثل الوحيد للمسيحيين الذين انتخبوه، متناسيا عن قصد أو سهوًا أو لعدم إدراك أن بكركي أنتجتها الأجيال المسيحية والمارونية، وجزء من جيل هذه الأجيال أنتجته. وما تناساه الجنرال أن بكركي هي التي حركت في انتخابات 2005 النيابية التي جعلته زعيما، كل الأنتليجنسيا المسيحية لدعمه. فقد دعمت بكركي شعاراته وأعطته بركتها التي ارتدت أصواتا مسيحية في رصيده.
ميشال عون يبدو أيضا وأيضا متخصصًا في حرب داخلية مفتوحة ضد القيادات المسيحية العريقة. والعائلات السياسية المتجذرة في التضحيات الكبرى. كل القوى المسيحية أعطت شهداء في مواجهة التوطين الفلسطيني. وآلاف آلاف الشهداء سقطوا في مواجهة البندقية الفلسطينية. وها هو يدعي اليوم بأنه رأس حربة في مواجهة التوطين! وما من أحد قبله ولا بعده في مواجهة التوطين!
لا تنتهي أخطاء أو عدم إدراك الجنرال هنا. فهو يسهب في الكلام عن استيلاء السنة على وظائف فئة أولى وعلى الإدارات العامة. فماذا عن الشيعة؟ ألم يستولوا هم أيضا على حقوق مسيحية؟ ماذا عن موقع المدير العام للأمن العام؟ ماذا عن المديرية العامة للقصر الجمهوري؟ ماذا عن قيادة لواء الحرس الجمهوري؟ ماذا عن ثلاثة أرباع الوزارات والادارات العامة والجامعة اللبنانية التي باتت محسوبة على طائفة الشيعة؟ ماذا عن شرطة مجلس النواب التي ينتمي أكثر من تسعين في المئة من عناصرها (وعددهم يناهز الألف) الى الطائفة الشيعية؟ الشيعة مثل السنة استولوا ويستولون على حقوق مسيحية. والمسيحيون ينهمكون في تقويض المسيحيين الآخرين!
ماذا فعل الجنرال للمهجرين في الضاحية الجنوبية، وهو لا ينفك يتاجر بمهجري الجبل الدرزي؟ أين منزله الوالدي القديم في حارة حريك؟ ماذا عن مسيحيي المريجة وبرج البراجنة؟ ماذا عن المفقودين في السجون السورية الذين أسمتهم ورقة التفاهم بين الجنرال والسيد معتقلين؟ ماذا عن اللبنانيين الهاربين الى اسرائيل؟
وثمة من يسأل بعد: كيف يمكن أن ينجح ميشال عون بعد كل هذه الاخفاقات والأخطاء في التأثير في المسيحيين؟ الجواب قد يكون بسيطا: مسيحيو بلادنا، مثل كل الشرقيين، عاطفيون، حتى أن البعض يصفهم بـ أمة الأذن، يتأثرون بالخطابات التي تضخّ في عقولهم أوهام الديماغوجيا وغوغائية العناوين… فماذا علينا أن ننتظر بعد؟ دعونا لا نفكر كثيرا !
