#adsense

والتجنيس يا جنرال ؟

حجم الخط

والتجنيس يا جنرال ؟

راشد فايد

  

لا تخرج مزاعم النائب “الجنرال” عن “وثيقة عدم امكانية الهرب من التوطين” عن منطق تخوين الغالبية الذي تنتهجه الاقلية المعارضة وتستبيح بموجبه كل المحرمات واسس المنطق العام والحس السليم، مما يجعل اللبنانيين يترحمون على الطاقم الميليشيوي الذي ادار البلاد بقوة الامر الواقع خمس عشرة سنة لم يخرج خلالها، ولا مرة، عن حدود الاحترام للقادة السابقين، ولم يلجأ، ولا مرة، الى تدنيس تاريخهم، وتلفيق ما يسيء اليهم. و”الجنرال”، كما هو المفوض حين يستنفد المفاوض “الاصلي” – الرئيس نبيه بري – كل ما يملك من قدرة على المماحكة، فانه هو ايضا “المفوه” حين تستنفد اصوات “حزب الله” معينها من تهم التخوين والعمالة لقوى الرابع عشر من آذار، فيخرج بوثيقته الى مكان بعينه هو التلفزيون الايراني ذو الجمهور اللبناني المعروف ميولا وانتماء، ليحقق، من طريقه، اثارة “مخاوف” بعينها، بهدف شد عصب جمهور المعارضة، بشقه الاكبر، فيما يتكفل شخصه “الكريم”، كمصدر للزعم، بإثارة عصبية الشق الآخر منها.
لكن من اين ولدت هذه المزعومة وثيقة؟


من ارشيف الامن العام اللبناني. يقول الجنرال. ويوضح انها وصلت اليه بالبريد محاولا بذلك ان يبرئ نفسه من مسؤولية ابوتها لكنه اوحى، في الوقت نفسه، ان هذا الجهاز الامني مخترق، وتحديدا ممن يسعى الى اثارة الفتنة الداخلية المتوثبة. وان يكن هناك من يزعم ان هذه الوريقة هي من ضمن ملفات مفبركة عهد نظام الوصاية سلمت الى رجل الرابية، في باريس، قبيل سقوط هذا النظام، من جانب احد اركانه، في اطار صفقة عودته من المنفى الباريسي للاستخدام في “المعركة الواحدة”.


ما لم يقله الجنرال هو ان فرحته بالتحدث عن الوريقة واشهارها في وجه الكاميرا الايرانية تفضح كون المعارضة لا تتورع عن استخدام اي وسيلة ممكنة لكسب مواجهتها اليائسة مع قوى الرابع عشر من آذار. وهي لا تكتفي برمي تهم العمالة للأميركيين على اهل ثورة الارز، واعتبارهم لا وطنيين وخونة وانقلابيين، فتتواقح، في المقابل، بتأكيد ارتباطها بطهران ودمشق، وعدم ترددها في تدمير البلاد اجتماعيا واقتصاديا. واستخدام الوريقة تتخطى استغفال ذاكرة اللبنانيين الى تكذيب اقتناعاتهم: الوريقة ولدت بتأليف نظام الوصاية واخراجه في هجمته على الرئيس رفيق الحريري والتي شملت، الى تهمة التوطين في مقابل الديون الدولية، اعتبار توزيع المساعدات على المحتاجين رشوة انتخابية. ومستخدم الوريقة تجاهل كلام حليفه الامين العام لـ”حزب الله” عن موقف الحريري الرافض للتوطين، وتناسى ان الرئيس الشهيد من ابرز الذين عملوا على تحقيق اتفاق الطائف وفيه النص الاجماعي اللبناني على رفض التوطين.


ينسى الجنرال ان بريد الامن العام يحوي في ارشيفه “وثائق” كثيرة اخرى، بعضها يعنيه ويتهمه بتهريب اموال المكلف اللبناني والمجوهرات التي جمعها ايام بطولات قصر بعبدا التي انتهت بلجوئه الى السفارة الفرنسية بعد وعوده المتعددة لمقاتليه والرأي العام بأنه سيكون آخر المغادرين وانه… لن يركع. وأيام ربط الرئيس الراحل فرنسوا ميتران شرف فرنسا بخروجه سالما من لبنان (لم يرَ عون في ذلك تدويلا ولم يعترض). كما ينسى ان هذا البريد نفسه سجل واقعة توقيف زوجة احد اركانه في مطار بيروت والعثور في حقيبتها على ملايين الدولارات، بعيد انتقاله الى فرنسا.


وينسى الجنرال امرا آخر لا يقل خطورة عن التوطين، ويفترض به، وهو الزاعم انه الممثل الشرعي والوحيد للمسيحيين، ان يكون الصوت المدوي في وجهه، وهو ملف التجنيس، الذي صمت تجاهه ويكاد الرأي العام يعتقد انه “اصمت” بعض نواب كتلته عنه ممن كانوا لا يكلون عن التلويح بتقديم الدعاوى القضائية ضد المرسوم الشهير بقصد تجميده.


التجنيس لا يقل خطرا عن التوطين، بمنطق الوطنية الحريصة على عدم الاخلال بالتوازن الداخلي. والمرسوم الشهير لبنن ما لا يقل عن اربعمئة الف شخص جلهم يعرف لبنان على الخريطة او يكاد، وانتماءاتهم الدينية لا توحي اي توازن يغار عليه “الجنرال”، مع ذلك لا يحرك ساكنا تجاهه ولا تصله بـ”البريد” اي وثيقة عنه. والسبب ان المسؤولية تصيب نظام الوصاية السابق والحليف الحالي الذي يقر بزعامة الرابية بعدما غيرت سكنها.


لم يختر “الجنرال” وثيقته سهوا ولا هو تسلمها بالبريد اليدوي عن طيب نية. فالتهمة التي اراد ترويجها لا تستهدف شخصا، بل قضية، هي اعادة اطلاق استقلال لبنان وبناء الدولة والمواطنية فيه اي “ثورة الارز” التي لم تستطع جماعة الثورة المضادة بكل ما اوتيت من دعم وسلاح احباطها. والطريق الاسهل، في تصوره، الى ذلك ادعاء لا يستطيع الشهداء ان ينزلوا من عليائهم لتكذيبه.  

المصدر:
النهار

خبر عاجل