نعمة الموت البطيء !
راجح الخوري
تلقى عمرو موسى وكذلك الشعب اللبناني السعيد في الأيام العشرة الماضية دروسا مكثفة في علم الحساب وكذلك في “الانشاء العربي”.
ويبدو من بيانات المعارضة وتصريحات زعمائها ان الجامعة العربية ومعها اهل الاكثرية في لبنان قد رسبوا جميعا في “مسابقة الاعراب” التي كان موضوعها تحديدا شرح نص الفقرة الثانية من “المبادرة العربية” التي تدعو، كما هو معروف، الى تشكيل فوري للحكومة وفق الدستور بعد الانتخاب الفوري للعماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية !
كان موضوع “المسابقة”:
ويبدو من بيانات المعارضة وتصريحات زعمائها ان الجامعة العربية ومعها اهل الاكثرية في لبنان قد رسبوا جميعا في “مسابقة الاعراب” التي كان موضوعها تحديدا شرح نص الفقرة الثانية من “المبادرة العربية” التي تدعو، كما هو معروف، الى تشكيل فوري للحكومة وفق الدستور بعد الانتخاب الفوري للعماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية !
كان موضوع “المسابقة”:
1 – ما معنى كلمة “الفوري” في الانتخاب الرئاسي والتشكيل الحكومي؟
2 – ما معنى تشكيل حكومة لا تعطي الاكثرية حق الاستئثار ولا تعطي المعارضة حق التعطيل وتوفر للرئيس حق الترجيح؟
إشرح وناقش؟
كان الامين العام للجامعة العربية يعرف، قبل ان يأتي حاملا المبادرة الى بيروت، ان في البلاد “فهلوية” زائدة عن اللزوم تستطيع ان تفسر الليل بالنهار وان تقول الشيء وعكسه، مفترضة انها لا تتفوه إلا بعين الصواب، ولذلك حرص عند نزوله في المطار على القول إن المبادرة “واضحة لا تحتاج الى قاموس او أطلس”!
لكنه نسي طبعا ان يقول انها تحتاج الى منطق وطني والى رغبة صادقة بانهاء الازمة المتفاقمة التي تدفع بلبنان الى حافة الانهيار والفوضى.
لكنه نسي طبعا ان يقول انها تحتاج الى منطق وطني والى رغبة صادقة بانهاء الازمة المتفاقمة التي تدفع بلبنان الى حافة الانهيار والفوضى.
وكما هو معروف، استحضرت المعارضة كل القواميس الناحلة والمنحولة وكل علوم الحساب في الطرح والجمع والقسمة (خصوصا القسمة)، وبدأت “الامتحانات”.
قيل بداية إن “الفورية” في السؤال الاول تعني ضرورة الاتفاق على الحكومة قبل انتخاب الرئيس. وكان هذا بمثابة اسقاط فوري لأمرين: فورية الانتخاب واحترام النص الدستوري في تشكيل الحكومة الذي يعطي رئيس الجمهورية حقاً لا يجوز اسقاطه.
ووفق علوم “الديجيتال” استحضرت نظرية المقايضة المطروحة على موسى والاكثرية وهي: إما حكومة وفق المثالثة وإما الاصرار على الثلث المعطل.
ومع ان المسابقة تقول: إشرح وناقش، لم تكن هناك رغبة فعلية لا في الشرح ولا في النقاش، فقد قيل لامين عام الجامعة ولاهل الاكثرية ما معناه:
ليس في الامكان اكثر مما كان حتى الآن، فإما المثالثة وإما الثلث الالماسي المرصود الذي يبعث على الاطمئنان ويطرد الاشباح والكوابيس.
ورغم كل الجهود والمساعي والحرص على توضيح أبعاد السؤال الذي وضعته اللجنة الوزارية العربية “الفاحصة”، والدعوة الصريحة التي اطلقها الرئيس نبيه بري مطالبا باجتماع جديد لهذه “اللجنة” يضع اسئلة بلغة عربية اخرى، ربما لان اصحاب المعالي والسيادة العرب استعملوا السري لانكية او السنسكريتية او حتى الانكليزية الاستكبارية والشيطانية، فان عمرو موسى تمسك بالتفسير والشرح اللذين وضعهما وزراء الخارجية، اي عدم الاستئثار وعدم التعطيل على قاعدة حكومة (13+10+7).
ولكن الامور عند المعارضة لا تستقيم الا على قاعدة “الثلث المعطل” والتعطيل المفترض في نظر الاكثرية قد يطول عمل الحكومة او “المثالثة” فقد تشكل مدخلا الى تعطيل الدستور.
وهكذا كما جاء موسى ذهب، واشتعلت سوق التراشق بالاتهامات، لكن اكثرها اثارة وغرابة هو اعلان سقوط الاكثرية في “الامتحان” لانها نالت صفراً على عشرين في مادتي “الحساب الرقمي” و”الانشاء العربي”.
في اي حال، ان اقصى الطموح الآن عند المواطن اللبناني المسكين هو ان تستمر مراوحة الوضع الراهن داخل “نعمة الموت البطيء” التي يعرفها منذ فترة طويلة واعتاد مآسيها في كل ظروف حياته وعمله.
نعم، يشكل “الموت البطيء” نعمة من عند الله سبحانه وتعالى، قياسا بما قد يحصل من فواجع عند اشتعال النار في ذلك “الهشيم البشري المجنون” وفي القبائل اللبنانية التي تزداد احتقانا من الناقورة الى النهر الكبير، منذ الاحداث المؤسفة التي شهدناها في 23 كانون الثاني من العام الماضي التي تصادف ذكراها البائسة الاولى غدا، وما حصل بعدها يوم الخميس الاسود في 25 منه.
نعم، يشكل “الموت البطيء” نعمة من عند الله سبحانه وتعالى، قياسا بما قد يحصل من فواجع عند اشتعال النار في ذلك “الهشيم البشري المجنون” وفي القبائل اللبنانية التي تزداد احتقانا من الناقورة الى النهر الكبير، منذ الاحداث المؤسفة التي شهدناها في 23 كانون الثاني من العام الماضي التي تصادف ذكراها البائسة الاولى غدا، وما حصل بعدها يوم الخميس الاسود في 25 منه.
ولأن الفضاء اللبناني يزدحم بالتهديدات وغيوم الويل والثبور وعظائم الامور التي تطلقها تصريحات بعض المعارضين منذ مدة عندما تلوّح بتحضيرات وخطط “تنهي الوضع الراهن والشاذ”، فقد حرص موسى، كما يحرص عقلاء كثيرون في الاكثرية وحتى في المعارضة، ولو همسا، على الدعوة الى ضرورة التهدئة وقطع الطريق على اي تحركات يمكن ان تنقل لبنان من جدار السياسة المقفل على الحلول والمساعي الى ساحات الفلتان المجنون والاصطدامات المفتوحة على الجحيم الذي بالكاد خرجنا منه.
واذا كان “الموت البطيء” الذي يمثله الوضع الراهن قد صار “نعمة” يتمنى المواطن اللبناني ان تستمر، رغم ما تحمله من معاناة ومآس، باعتبار ان الذهاب تكرارا الى الفوضى والاصطدامات والاقتتال هو “الموت السريع” للوطن والمواطنين، فإن من المفيد والضروري ان يتذكر جميع الافرقاء ان جنون الانزلاق الى الصراع الساخن لن يترك بالتالي منتصرا او مهزوما في هذا البلد التاعس الذي نمضي في تدميره حتى آخر قطرة عافية او دم فيه وفينا جميعا.
والرئيس حسني مبارك لم يبالغ عندما كرر ما يشبه النعي لهذا الوطن، قائلا “إن اللبنانيين قد يندمون على لبنان”.
لأننا اذا انزلقنا الى هذا الجنون فإننا فعلا سنبكيه جميعا، كما بكى العرب الأندلس !