آخر سيناريو سوري
نشرة ليسيس
ما يجري في الشارع وفي الإعلام وما يلوّح به البعض في المعارضة من تهويل وتهديد يهدف ويرمي الى استباق اجتماع وزراء الخارجية العرب التقويمي في 27 ك2 الحالي ومنعه من وضع الإصبع على جرح لبنان وتحديد المسؤولية في تفشيل المبادرة العربية، وسوريا الخبيرة في أمور العرب ومقارباتهم للمشاكل والأزمات التي تعصف بدولهم تدفع الأمور باتجاه واحد محدد: حلّ وسط يعطيها كل ما تريده في لبنان ومنه، ويحفظ في آن ماء وجه العرب ويوحي بأنهم نجحوا في فك العقدة وإزالة يؤرة تفجير ويسمح لهم بالإنصراف الى شؤونهم وشجونهم الأخرى الأقل “وجعاً للرأس” واستهلاكاً للوقت والجهد.
وفي شأن لبنان فقد كان واضحاً منذ البداية ان توافق الأكثرية على ترشيح العماد ميشال سليمان للرئاسة أصاب سوريا وحلفاء سوريا في مقتل كبير، فالنظام السوري لا يؤيد وصول قائد الجيش لأكثر من سبب وحجة ليس أولها الزيارة المقلقة لمصر واستقبال الرئيس مبارك له، ولا تصميمه على حسم يؤرة الإرهاب في نهر البارد بالقوة العسكرية وتصفيتها – وهي ورقة سورية نائمة – وليس آخرها ما واظبت إحدى الصحف المعارضة المعروفة بتبعيتها لحزب الله ودمشق خلال الأيام الأخيرة على نعت العماد سليمان به وكان ختامه تحالفه مع “آل المر” وتحديداً فيهم الوزير الياس الذي بحسب الصحيفة المذكورة تتهمه دمشق بخيانة الرئيس السابق اميل لحود!! واستقواء قائد الجيش بدعم البطريرك الماروني على أركان المعارضة وفي مقدمهم عون وفرنجية!! والجدير ذكره هنا ان كاتب المقالة هو من أركان تيار عون وقد أنهاها بالتخوف بأنه في حال لم يصحح سليمان موقفه سيخرج من يقول “أنقذونا من المنقذ”. وكل هذا يؤشر الى قرار سوري متخذ مفاده أن وصول قائد الجيش الى الرئاسة في ظل الهيمنة السورية على الأرض والمؤسسات شيء، وفي غياب السوريين عن القرار شيء آخر لا يمكن القبول به والسماح بمروره. أما على مستوى حزب الله فإن الإرادة السورية أولاً وتخوف الحزب الإلهي من وطنية العماد سليمان وعدم استعداده للتهاون في أمور السيادة، وتضارب مشروعه المؤسساتي مع رغبة الحزب في الهيمنة على قرار الحرب والسلم والسعي لإبقاء لبنان ساحة بتصرف إيران في “كباشها” مع الولايات المتحدة والعالم، هذه الأسباب مجتمعة دفعت الحزب الى تأييد سليمان لفظياً ومحاربة وصوله فعلياً بما أدى حتى الساعة الى منع اتمام الإنتخاب تحت حجج وأسباب واهية تتلون وتتبدل مع كل مبادرة او مسعى عربي ودولي، وقد نجح الحزب الإلهي في استدراج تيار عون الى الواجهة والمواجهة لأسباب ظاهرها معارض شمولي وعمقها لدى التيار العوني سياسي محلي، فوصول العماد سليمان عدا عن انه يقطع الطريق على عماد لبنان ويطوي صفحة حلمه الرئاسي فإنه أيضاً ينهي مع الوقت وجود تكتل التغيير والإصلاح والتيار الحر لأسباب جد بسيطة: فالعمادان يشربان من نفس النبع والقواعد المؤيدة لعون تؤيد في أكثريتها الساحقة الجيش اللبناني وقائده، وتالياً فإن المقاعد النيابية الممكنة ستكون في كتلة الرئيس الآتي والشعبية ضمن مؤيديه ووفقاً لهذه المعادلة فإن وصول سليمان يعني “تنفيس” الحجم المنفوخ لعون … ولا حاجة للمزيد.
يبقى ختاماً ان سوريا الخبيرة بامتياز بأمور لبنان دفعت “قارة قطر العربية” – الساعية الى دور عربي أكبر من جغرافيتها وديموغرافيتها – الى تسويق سيناريو يتضمن وصول مرشح آخر غير سليمان قدم الضمانات المطلوبة من السوريين ونجح في الإمتحان قبل زمن!! مع تعهد من دمشق بأن تقبل المعارضة بعشرة وزراء في حكومته الأولى لأن الضمان ساعتئذ يكون في شخصه بالذات لا في الحكومة الآتية. ويبقى ان هذا المرشح هو واحد من اسمين طرحهما بري منذ اليوم الأول، ورئيس المجلس يراهن على تأييد فريق في 14 آذار لهذا الرئيس لأنه كان أول من اقترح وصوله في ربيع العام 2005 كوسيلة وحيدة للتخلص آنذاك من الرئيس اميل لحود قبل الإنتخابات النيابية التي جرت أواخر أيار من العام نفسه.