في ظل استهداف المواقع والمرجعيات المسيحية:
هل يأخذ عون المسيحيين إلى 13 تشرين أول جديد؟!
هل يأخذ عون المسيحيين إلى 13 تشرين أول جديد؟!
فادي شامية
وكأن التاريخ يعيد نفسه بالنسبة إلى علاقة عون بالمسيحيين، فغداة لجوئه إلى السفارة الفرنسية تاركاً الجيش اللبناني والجماهير التي عبّأها ضد النظام السوري لتواجه مصيرها في 13 تشرين الأول 1990، كان عون قد استكمل ضرب الحضور المسيحي تحت شعار استعادة أمجاده الغابرة. في ذلك الحين فقد المسيحيون تأثير مواقعهم الدينية والزمنية في الدولة اللبنانية. البطريرك الماروني نصرالله صفير تعرّض للإهانة المادية الشديدة من جماعة عون. لم يجتمع البرلمان لانتخاب رئيس ماروني جديد وفق الدستور. قائد الجيش الماروني لم يعد مسيطراً على كل الجيش بعد انقسامه. حروب عون العبثية وتصرفه الأحادي سبّب ذلك الإحباط المسيحي الذي استمر ردحاً من الزمن مؤثراً في الشراكة الوطنية.
منذ عودته إلى لبنان في 7 آب 2005 على وقع “ثورة الأرز” شكّل “الجنرال” كتلة نيابية من 21 نائباً أسماها كتلة “التغيير والإصلاح”، وبفعل الحدس المرهف لديه أدرك الرجل أن طريق بعبدا متعذّرة عن طريق تحالف “14 آذار” فاختار “تفاهم مار مخايل” وبذهنه أنه ضَمِن الرئاسة، لكن الرجل المهووس بالسلطة وصراعاتها ذهب في استفزازه للفريق الآخر حداً بعيداً. لم يترك عون مجالاً للتفاهم، لا مع مسيحيي “14 آذار”، ولا مع سنّته. غادر الرئيس إميل لحود قصر بعبدا، لكن حلم عون لم يتحقق. ثمة من قرأ عون جيداً فاستغله وما زال.
عون يضرب موقع رئاسة الجمهورية مجدداً
ميشال عون بنسخته الجديدة هو نفسه عون في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، أنانيته قالت إنه من الأفضل له الإبقاء على إميل لحود رئيساً ضعيفاً ومحاصراً ريثما تتهيأ الأجواء لعودة “الجنرال” إلى قصر بعبدا. العالم قاطع إميل لحود وصار الرئيس فؤاد السنيورة واجهة لبنان، لكن المسيحيين المستائين من هذه الحال لم يكن باستطاعتهم الدفاع كثيراً عن إميل لحود لاسيما أنه أذاق المسيحيين بمن فيهم أنصار الجنرال عون أشكالاً وألواناً من الإذلال خلال عهده. رحل لحود فطالب عون بحقه في الرئاسة. حاول إقناع النائب سعد الحريري بنفسه، جرّب بعض العنتريات، لكن النتيجة كانت حلول الفراغ، وفقدان المسيحيين موقعهم الأول في الدولة، وتقلّد الحكومة صلاحيات رئاسة الجمهورية وفق ما ينص الدستور.
عون اليوم يستميت في تعبئة شارعه ضد حكومة السنيورة على أساس أنها تريد “تشليح” المسيحيين موقعهم الأول في الدولة، خلافاً للواقع، لكن حقيقة ما يفعله عون هو إفقاد المسيحيين لموقع رئاسة الجمهورية، لأن ما أقدمت عليه “14 آذار” من ترشيح العماد ميشال سليمان ووضع أغلبيتها بتصرفه، ثم تقديم الحكومة والأغلبية النيابية مشروع اقتراح قانون لتعديل الدستور بما يتيح لسليمان الوصول إلى قصر بعبدا، ثم جعل “الصوت الوازن” في الحكومة المقبلة معه، هو الحفاظ الحقيقي على موقع الرئاسة.
مطالب عون اليوم كما في الماضي هي لأجل المسيحيين ظاهراً وضدهم في العمق، لأن الشروط التي يريد عون ومن خلفه “حزب الله” فرضها لانتخاب رئيس للجمهورية هي في الحقيقة مصادرة لصلاحيات رئيس الجمهورية وإهانة لشخصه وتسفيه لقدراته، وعلى حد قول النائب بطرس حرب فإن “اشتراط المعارضة توافقها مع الأكثرية على كل القضايا السياسية العالقة قبل انتخاب الرئيس، يعني تجريد الرئيس المسيحي للجمهورية من صلاحياته الدستورية وإضعاف موقع الرئاسة ودورها الأساسي في تشكيل السلطة، وبالتالي قدرته على التأثير على قراراتها وتوجهاتها، فيتحوّل الرئيس إذاك إلى شاهد عاجز عن المشاركة في الحياة السياسية أو ضبطها أو إدارة الصراعات الطبيعية التي تعترضها، مع ما في ذلك من انعكاسات سلبية على الطائفة التي يمثلها رئيس الجمهورية في نظامنا السياسي”. ولعل عون سيصطدم لاحقاً بأي رئيس للجمهورية لأنه لن يتحمل رؤية غيره في كرسي بعبدا فيزيد ذلك ضعف هذا المقام.
… والمرجعية الدينية
في الماضي قيل للدلالة على أهمية المرجعية الكنسية: “إن مجد لبنان أعطي لبكركي”. البطريركية لعبت أدواراً حاسمة في تاريخ لبنان ومسيحييه بلا أدنى شك، وكان من الطبيعي أن تلعب بكركي الدور المأمول منها في أزمة كيانية بحجم الأزمة التي يمر بها لبنان. تقدم البطريرك بعد تردد بلائحة من ستة مرشحين على أساس أن يتم الاتفاق بين النائب سعد الحريري والرئيس نبيه بري على اختيار اسم او اثنين من اللائحة ثم التوجه إلى المجلس النيابي. الفكرة لم تعجب عون الذي طلب من البطريرك أن يُخرج اسمه من اللائحة لأنه من غير اللائق بنظره أن يوضع اسمه أمام أي من المرشحين المسيحيين الآخرين. تباين عون مع صفير في أكثر من مناسبة، وتحوّل التباين إلى نقد أحياناً، وقد شجع هذا الأداء الآخرين على خديعة البطريرك، وتالياً إلى الإلقاء بورقة مرشحيه في سلة المهملات، بعدما كان الرئيس نبيه بري أعلن أنه وراء البطريرك. خطاب عون جرّأ من هو أصغر منه، من الموارنة وغير الموارنة، على التطاول على بكركي والمطارنة الموارنة.
نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، يقول: “نحن أهل لبنان (الشيعة) قبل أن يأتي أحد من حلب وتركيا واسطنبول (يقصد الموارنة)”. عضو المكتب السياسي لحركة “أمل” الشيخ حسن المصري يقول عن المطران بشارة الراعي: “سم الأفاعي في عظة بشارة الراعي… الرئيس نبيه بري هو الأم الحقيقية لطفل المغارة في لبنان لينقذه من اليوضاسيين”. سليمان فرنجية يقول: “البطريرك مش خرجو شي… أصبح موظفاً لدى السفارتين الأميركية والفرنسية!”، مستكملاً بذلك سلسلة مواقف مشينة كالحديث عن “تهيّج البطريرك لدى استقباله النساء”. وهكذا باتت المرجعية الدينية للمسيحيين مكشوفة بدورها بفضل عون أيضاً.
قيادة الجيش والمواجهة في الشارع
قيادة الجيش موقع ماروني آخر مهدد بالتفريغ أيضاً. عون ـ كما هو واضح ـ ليس صاحب القرار في “المعارضة” التي يقودها في الحقيقة “حزب الله”، وموقع قيادة الجيش لا يمكن أن يكون إلا لمن يرضى عنه “حزب الله”، لارتباط الموضوع بسلاح المقاومة والتعاون معها، وتالياً فإن من سيعيّن قائد الجيش الشيعة وليس الموارنة. عون سيكون الغطاء المسيحي فقط. وأخطر من ذلك كله أن استعجال عون التصعيد قد يزلق البلاد إلى اضطرابات ومشاكل ستصيب موقع قائد الجيش، بل الجيش كله، وقد لا تنتهي إلا بطائف جديد، سيأكل كما في السابق، من حصة المسيحيين في الصيغة، إذ من المعلوم أن المثالثة في الصيغة ستأخذ من حساب المسيحيين لصالح الشيعة، وبما أن عون ليس مع الطائف في الأساس فإن إقناعه بصيغة جديدة يضمن فيها موقعاً لنفسه قد يكون من قبيل السيناريوات المتوقعة، ولعل من المفيد التنويه بأن الشارع المسيحي ـ وبفضل عون أيضاً ـ بات هو الأضعف في ظل تماسك “الكتل” الشيعية والدرزية والسنية على تفاوت في النسب، وإذا كان المسيحيون لم ينزلقوا حتى الآن نحو الصدام في ما بينهم أو مع بقية الطوائف، خلا ما حدث يوم الثلاثاء الأسود وبعض الاشتباكات بين الطلاب في الجامعات، لكن المعلومات تشير إلى إلحاح عون على “حزب الله” بمواجهة “الانقلاب” في الشارع، وفرض “الشراكة” بالقوة، وها هو حليفه سليمان فرنجية يقول لقناة “العالم” الإيرانية: “نحن لا نخاف من الحرب (الأهلية) إذا اضطررنا لها، ونحن مع تعديل الطائف”، علماً أن فرنجية نفسه يقول للـ NBN: “إن الصراع اليوم هو بين السنة والشيعة”، دون أن يشرح للشارع المسيحي ماذا سيجني المسيحيون عندما يكون قسم منهم مع فريق والقسم الآخر مع فريق آخر من المسلمين، والأهم أنه لا يقدم رؤية لما سيكون عليه وضعهم بعد ذلك!.
السير عكس الاتجاه
الملاحظة الأخيرة في الأداء السياسي لعون أنه يسير عكس الاتجاه الصحيح تماماً، ليس على الصعيد الوطني فحسب، ـ بعدما غرق خطابه في الطائفية والاستفزاز المتواصل للسنة ـ، وإنما على صعيد مصلحة المسيحيين أيضاً!، ذلك أنه عندما يعلن نصف مليار مسلم ثقتهم بالعماد سليمان، على حد وصف الأستاذ فارس سعيد، بل ويعطونه موقعاً دستورياً زائداً عما يعطيه إياه الدستور من خلال الحصة الوازنة، يأتي عون لينزع الثقة عن سليمان، ويدعي حماية موقعه من خلال جملة اشتراطات مكبلة للرئيس!!، وفي موقف “مضحك” يطالب بتكريس الحصة الوازنة للرئيس في الدستور، ليأتيه الرد من حلفائه قبل خصومه بـ”الكف عن هذا النوع من اللعب”.
في خطوة أكثر “غباوة”، يطالب عون بانتخاب الرئيس من الشعب، ففي حسابات عون أن الشيعة سيرجحون كفته رئيساً للجمهورية، لكن عون لن يبقى للأبد، والتعديل المطلوب معناه أن ينتخب المسلمون، سنة وشيعة ودروزاً، الرئيس الماروني، فهل بهذا الشكل يحمي عون المسيحيين ويمنع تهميشهم؟!. المفارقة أن عون نفسه يعيّر النواب المسيحيين الفائزين في الدوائر المختلطة بأنهم فازوا بأصوات المسلمين، ثم يطالب الآن ومستقبلاً بأن ينتخب المسلمون الموقع المسيحي الأول باعتبارهم الأكثرية العددية.
عون لم يجد من سبيل لـ”إجبار” سعد الحريري على الجلوس معه إلا القول بأن رفض محاورته إهانة للمسيحيين، لكن سعد الحريري نفسه كان قد “طلب” مقابلة السيد حسن نصرالله بوصفه القائد الفعلي للـ”معارضة”، فرفض الأخير، لكن الحريري لم يقل إن سلوك نصرالله هذا إهانة للسنة. هذا هو الفرق بين من يبني الوطن ومن يلعب بالوطن