التصعيد السياسيّ السوريّ و”المعارض” يكتمل ميدانياً
تحضيراً لـ”حرب عصابات” وانقلاب.. وتفجير الفتنة المذهبية
تحضيراً لـ”حرب عصابات” وانقلاب.. وتفجير الفتنة المذهبية
ترهيب بأفق اجتماع 27 لكن أبعد من 27
نصير الأسعد
طلب النظام السوري من “معارضته” أن تتبنّى بنفسها “تفشيل” المبادرة العربية. والهدفُ من ذلك مكشوف، وهو تمكين نظام الأسد من مخاطبة الإجتماع الوزاري العربي الأحد المقبل والقول إنّ الأزمة لبنانية ـ لبنانية وإنّ المبادرة فشلت لأنّها لا تلبّي مطالب فريق “المعارضة”.
بداهةً، قبلت “المعارضة” الطلب السوري فشنّت حملةً على المبادرة والأمين العام عمرو موسى ودول النظام العربيّ، واكبها الإعلام السوري “المستقل”(!).
تصعيدٌ بأفق 27 الجاري
وبما أنّ الإجتماع العربيّ في 27 الجاري مدعوٌ في الأصل للاستماع إلى تقرير موسى حول ما واجهته مساعيه لـ”تنفيذ” المبادرة من عراقيل، فإنّ تصعيد النظام السوريّ و”معارضته” هو “الآن” بأفق 27 الجاري، أي يستهدف الضغط على الإجتماع في واحد من الاتجاهات الآتية:
الاتجاه الأول تعديل “التفسير” الذي قدّمه موسى باسم وزراء الخارجية العرب، بحيث يأتي التعديل ملبيّاً للشروط المعروفة وأهمّها “الثلث المعطّل”.
والاتجاه الثاني، بما أنّ الأول متعذّر بل مستحيل، الحؤول دون تأكيد الإجتماع الوزاري العربيّ على “تفسير موسى”. والرهانُ السوريّ هنا هو على عدم تحقّق إجماع عربيّ، بالاستناد إلى علاقات النظام العربي بدولة خليجية من هنا ودولة “قرن إفريقية” من هناك ودول “شمال إفريقية” من هنالك.
“مناطق عسكريّة” و”غيريلاّ”
أما الاتجاه الأهمّ فهو ألاّ يُحاسب النظام السوريّ على التعطيل وألاّ يحمّل المسؤولية في الأساس.
إذاً بأفق 27 الجاري، يهدف التصعيد من جانب “المعارضة” عموماً و”حزب الله” خصوصاً إلى الضغط على الإجتماع العربيّ. ولعلّ نظام الأسد غير المتأمل في أن يمرّر النظام العربيّ هذا التحدّي السوريّ، وجد أنّ ثمّة “وسائل إيضاح” إضافية فطلب مِن “معارضته” اللجوء إلى التصعيد “الميداني”.
تدخلُ في إطار هذا التصعيد “الميدانيّ” أحداث الفوضى التي شهدتها العاصمة في الأيام الأخيرة بين طريق المطار ونفق سليم سلام. وتدخلُ في الإطار نفسه “التحرّكات” المنظّمة بعناوين اجتماعية والتي يجري تحضيُرها بحيثُ تُشبه “حرب العصابات”. وقد جرى “توزيع” لبنان إلى “مناطق عسكريّة”. تحالف عون ـ “المردة” يتولّى الشمال ويقوم في “اللحظة” المقرّرة بقطع الطرق في المنطقة وبقطع اتصالها ببيروت. تحالفُ “الأحزاب السوريّة” يتولّى البقاع والجبل ويقوم بقطع الطرق والاتصال بين المنطقتين والعاصمة، لا سيّما ما يسمّى الطريق الساحليّة. و”حزب الله” مع “أمل” أو بدونها يقطع طريق الجنوب ويتولّى “خطوط التماس” في بيروت.
“حزب الله”.. و”جيش تحرير فلسطيني”!
التصعيد “الميدانيّ” يتّخذ صيغة عسكريّة، من “حرب عصابات”، إلى إنقلاب موصوف. وتزامناً، يسجّل يوميّاً تطوّر لافت على الصعيد الميداني. في بعض مناطق الشمال ليس فقط حركة تسلّح إنّما ظهور مسلّح أيضاً لميليشيا شمالية ولميليشيا “جديدة”. في البقاع توزيع أسلحة.
غير أنّ أمرين رئيسيين لفتا في الآونة الأخيرة. الأول يتعلّق بـ”حزب الله”. فهو بالإضافة إلى تمويله التحرّكات المسمّاة اجتماعية في المناطق بأموال طائلة، يركّز على المناطق السنّية ويستجمع “معارضات” سنّية لـ”تيار المستقبل” ويدفع لها ويدفعها ضدّ “المستقبل”. أمّا الثاني فتمثّل بإدخال مئات من عناصر “جيش التحرير الفلسطيني” المتمركز في دمشق والتابع للنظام السوري، إلى “قواعد” لـ”القيادة العامة” بقاعاً وساحلاً.
بأفق 27 الجاري، “يتزاوج” التصعيد السياسي والتصعيد الميداني. والهدف السوريّ ـ و”المعارض” ـ منهما هو الوصول إلى 27 بـ”صورة” تفيد أنّ التدهور في لبنان سيتفاقم إذا استمرّت المبادرة العربية على مسارها الحالي. “صورة” تفيدُ أنّ “الحرب” في لبنان آتية أو أنّ النظام السوري يستطيع إشعالها. الهدف إذاً ترهيب النظام العربي فضلاً عن ترهيب اللبنانيين.
27 ليس موعداً أخيراً
على أنّ ما تقتضي الإشارة إليه، هو أنّه لا يمكن القول إنّ هذا التصعيد الميداني الحاصل الآن بأفق 27، محكومٌ بهذا الموعد فقط، وأنّه سوف ينحسر بعد 27 تالياً.
ذلك أنّه في حال تمسّك النظام العربي بمبادرته وتفسيرها وحمّل النظام السوري مسؤولية التعطيل، سيخوضُ نظام الأسد حربه على النظام العربيّ ومبادرته. وفي حال مرّ الإجتماع “عاديّاً”، سيعتبر نظام دمشق أنّ الموقف العربيّ تراجع، وسيعتبر أنّ الفرصة مؤاتية للانقضاض على لبنان ولو في صيغة شروط جديدة.
طبعاً، يميلُ بعض الوسط السياسي إلى الاعتقاد أنّ التصعيد السياسيّ والميدانيّ السوريّ و”المعارض” إمّا أنّه سيغدو عديم الجدوى بعد 27 الجاري، وإمّا أنّ النظام السوريّ سوف “يتهيّب” من المواجهة مع النظام العربيّ، لأنّ الموقف العربيّ “يكشفه” أمام منسوب أعلى من الضغوط الدولية، وهو وإن كان يؤدّي بتحدٍّ فهو لا يحتمل عزلتَين متوازيتين عربية ودولية.
النظام السوري والحرب الأهليّة
بيدَ أن المسألة هنا ليست مسألة توقعات “فقط”. ذلك أنه لا يغيب عن وعي الشطر الأكبر من اللبنانيين وإجتماعهم السياسيّ أنّ للنظام السوريّ “مشروعاً” في لبنان. ولمّا كان هذا “المشروع” هو السيطرة على البلد بقلب السلطة وبتغيير النظام وقواعده، فإنّه بالتعريف “مشروع تفجيريّ” أي مشروع حرب أهليّة. وليس خافياً أن نظام الأسد دفعَ خلال السنوات الأخيرة بعد انسحابه “رسمياً” من لبنان باتجاه التفجير وسعى اليه ولم يكن مسروراً بتوقف المواجهة في مرحلة معينة من العام الماضي عند “خطّ الفتنة”.
أين مصلحة إيران؟
في هذا الإطار، لا بدّ من ملاحظة أداء “حزب الله”.إنّ ما يقوم به الحزب في سياق قيادته “المعارضة” وتوجيهها، يقعُ في دائرة تحريك “الفتنة”. فأعمال الشغب التي يقف وراءها في بيروت كانت بمثابة “اقتحامات” من جانب أحياء ذات لون شيعي لأحياء ذات لون سنّي. والمواجهات التي حصلت سابقاً، في البسطة مثلاً، كانت مواجهات شيعية ـ سنية. وتمويلُ “فرق” سنّية وتسليحها “ضد” تيار “المستقبل” في مختلف المناطق لا يُلغيان ـ أي التمويل والتسليح ـ حقيقة أن “المشكلة” لن تكون سنّية ـ سنّية لأنّ من يوجّهها هو “حزب الله”. فإذا كان الحزب يعتقد أنه “يهرب” من الفتنة الشيعية ـ السنية عبر “تنظيم” صراعات وحروب داخل الطوائف، فهو مخطئ لأن “الأمر له”.
على أن ثمّة سؤالاً يطرح نفسه وينتظر إجابةً عنه من إيران: إذا كان من مصلحة النظام السوري التفجير في لبنان والفتنة المذهبية، فأين مصلحة إيران في ذلك أي أين مصلحتها في أن يتورط “حزبها” في الفتنة في لبنان؟. هل تحقق إيران دورها الاقليمي بـ”صراع” مذهبيّ مع محيطها، وباستعادة زمن غابر من هذا الصراع؟.
السؤال مطروح وموجّه إن لم يكن الى “كلّ” القيادة الايرانية فإلى مَن أظهروا في صفوفها، في فترات سابقة عطفاً على لبنان وصيغته، ومن تعاطوا بواقعية مع لبنان وخصائصه وقدراته كالرئيسين السابقين هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي.
حذار الواجب هنا يقتضي التحذير. فالانزلاق من المظاهر الحالية للتصعيد السياسي والميداني الى “الأسوأ” أكبر من مجرّد احتمال.
“حرب العصابات” اختبارٌ لانقلاب أكبر. والانقلابُ الأكبر هو الحرب. ومن يقرّرها لا يسلمُ منها، ومَن يدخل فيها ليس محتماً أن يبقى ليخرجَ منها. الحرب حربٌ وهي أهليّة و”قوانينها” ليست كقوانين “الحرب الوطنية” ضدّ العدو.