#dfp #adsense

المطالب” لم تحرّك العمال يوماً… ماذا حرّكهم ؟

حجم الخط

المطالب” لم تحرّك العمال يوماً… ماذا حرّكهم ؟

سركيس نعوم 

 

برهن “المواطنون” اللبنانيون اكثر من مرة ان المظالم الاجتماعية والحياتية والمعيشية والاقتصادية التي عاشوا ولا يزالون يعيشون لم تدفعهم للنزول الى الشارع بكثافة بغية مطالبة المسؤولين برفعها. وبرهنوا ايضاً ان ما يحركهم ويدفعهم للجوء الى الشارع هو السياسة. لكن السياسة في لبنان هي غيرها في الدول الاخرى ولا سيما منها الدول المتقدمة، ذلك انها غطاء شفاف جداً جداً، للطائفية ثم للمذهبية. وهكذا اذا تعرض رمز ديني مسلم، شيعياً كان او سنياً لاعتداء او تهجم او نقد تنزل الجماهير الى الشارع احياناً على نحو حضاري، واحياناً اخرى على نحو غوغائي، ولا ينفع في هذا المجال اضافة صفة الى رجل الدين هذا غير طائفية كأن يكون مقاوما للاحتلال الاسرائيلي او عاملا لاستعادة وطنه استقلاله والسيادة والحرية من شقيق صادرها من زمان. واذا تعرض رجل دين مسيحي للاعتداء نفسه او النقد او التهجم يحصل الامر نفسه.

 

واذا تعرض رجل السياسة لشيء من ذلك بل لأكثر منه، اي القتل، تهدر الجماهير في الشوارع مطالبة بالثأر مازجة مشاعرها الوطنية بالمشاعر القومية او الدينية او المذهبية. وبرهن “النقابيون” اللبنانيون ايضاً انهم صورة طبق الاصل عن المواطنين الذين يفترض ان يدافعوا عن مصالحهم القطاعية المتنوعة. فنقاباتهم واتحاداتهم التي كانت فاعلة الى حد ما قبل الحروب في لبنان خسرت استقلالها وفاعليتها على نحو تدريجي اولا بسبب انتقال هذه الحروب اليها. وثانياً بسبب مبادرة النظام الذي “رُكّب” بعد الحرب الى السيطرة عليها واستخدامها اكثر من مرة في صراعه مع شعوبه. وثالثاً بسبب مبادرة جهات طائفية ومذهبية معينة، وبتشجيع من سلطة الوصاية والنظام المحلي الذي تحمي، الى “خردقة” النقابات و”تفريخ” نقابات موازية الامر الذي كوّن اتحاداً عمالياً أو اتحادات جاهزة للتحرك بعناوين مطلبية عندما تطلب هذه الجهات منها ذلك بغية اعطاء غطاء عمالي لنزول جماهيرها الى الشارع، وخصوصاً في ظل خجلها، من الاعتراف علناً بأن جانباً مهماً من الصراعات اللبنانية – اللبنانية هو طائفي ومذهبي ولا علاقة له بالمطالب الحياتية. وهذا امر طبيعي في بلاد نخرتها الطائفية من زمان وأتت المذهبية التي “تفتحت” منذ نحو عقدين من “النشاط” المستتر اولا ثم العلني فالمفضوح لتقضي عليها.


ما هي مناسبة هذا الكلام اليوم؟


مناسبته ان “عمال” لبنان سيتظاهر بعضهم اليوم بتأييد من الاتحاد العمالي العام مطالبين بازالة كل المظالم المحقة التي يعانون ومعهم كل “شعوب” لبنان. ومناسبته ان هذه التظاهرة ستوظف في الصراع السياسي – الطائفي – المذهبي الدائر في لبنان من الفريق السياسي الذي يسيطر اليوم على اتحادهم العام ومعظم قضاياهم. ومناسبته ثالثاً ان تظاهرة اليوم قد تكون خطوة على طريق تصعيد “النضال” الطائفي – المذهبي – السياسي المغلف باسم الوطن وحقوق الناس.

 

ومناسبته رابعاً لفت اللبنانيين كلهم وفي مقدمهم “العمال” الى اي قطاع انتموا الى ان ما يعانونه ليس جديدا وانه من نتاج ذهنية لبنانية كانت عفنة قبل الحرب وبقيت عفنة بعدها. كما انه انتاج طبقة سياسية كانت تضم معظم الافرقاء اللبنانيين المتصارعين حالياً والرعاة الاقليميين لبعضهم. ومناسبته خامساً، لفت العمال المسؤولين الفعليين الى ان التحرك “العمالي” الذي سيتصاعد في ظل الاحتقان السياسي – الطائفي – المذهبي الراهن قد يُطلق فوضى امنية.

 

ومناسبته سادساً تذكير العمال والمسؤولين عن تحركهم بأن ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري باتت قريبة جداً (14 شباط)، وبان جمهوره بل جمهور 14 آذار كله سيحييها في قلب العاصمة كما جرى السنة الماضية وبأن الفوضى في الشارع قد تعوق احياءها او ربما قد يكون القصد منها اعاقة هذا الإحياء. ومن شأن ذلك كله ليس اطلاق “المردة” (من مارد) الطائفيين والمذهبيين  من “قماقمهم” فحسب، بل توفير ساحة شغب لهم وتقاتل لن ينجو منها احد. طبعاً لن يقدم فريق 14 آذار على إلغاء الذكرى، على الاقل كما يؤكد اركانه لان من شأن ذلك تكوين انطباع يعتبرونه خاطئاً عن ضعفه عند الداخل والخارج معاً. وهذا ما لن يقبل به في ظل الشحن المتنوع وخصوصاً بعدما صارت المذهبية هي الاداة الوحيدة لإرسال الناس الى الشارع وربما الى الموت، والى خراب البلد محافظة على حق او طمعاً في حق لا علاقة له بصلب العقائد الدينية والمذهبية.


هل من فائدة لكل هذا الكلام؟


وهل يقنع الذين في الداخل فيكتفون بالتصارع  السياسي الى ان يحل الروح القدس على اصحاب القرار الفعليين فيصبح حل الازمة اللبنانية ممكناً؟


ان فائدته محدودة، لان فريق 8 آذار لن يرضى إلا  بالتغلب على فريق 14 آذار على ما قال العماد عون حليفه قبل يومين وهو: إما 11 وزيراً اي ثلث معطل، وإما النزول الى الشارع. في حين ان فريق 14 آذار يرفض الهزيمة ويصر على الصمود لان وضعه ليس بالسوء الذي يتصوره اخصامه. ويعني ذلك عدم جهوز البعض للحل الوسط الذي اتى به الى لبنان اخيراً الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وعدم جهوز البعض الآخر للاستسلام. ولذلك عاد موسى الى بلاده خائباً فهل ينجح ومعه وزراء الخارجية العرب في 27 كانون الثاني الجاري في معالجة اسباب الفشل؟ وهل يشير هؤلاء بالاصبع  الى الجهات المعرقلة للتسوية والدافعة في اتجاه استخدام الشارع، اي في اتجاه الفتنة؟ وهل يكفي ذلك لاقناع من يلزم بالهدوء وضبط الاعصاب وعدم الاستسلام للغرائز؟ واذا لم يكفِ، فهل هؤلاء جاهزون لخطوات شديدة في حق المعطلين؟  لا احد يملك جواباً عن كل هذه الاسئلة، علماً ان التجارب السابقة قديمها والحديث ليست مشجعة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل