وماذا يحصل غداً ؟! صدّق أو لا تصدّق
راجح الخوري
آخر الاكتشافات المدهشة في لبنان أن برنار كوشنير هو الذي أفشل المبادرة الفرنسية (!) التي كانت قد اضطرته الى القيام بسبع زيارات الى بيروت، اضافة طبعا الى ركوب اللبنانيين النشامى الأوتوكار في بلاد سان كلو!
وان عمرو موسى هو الذي أفشل “المبادرة العربية” التي اقرها المؤتمر الطارئ لوزراء الخارجية العرب، والتي اضطرته الى ان يصل النهار بالليل وقوفا على الآراء والخواطر والشروط العرقوبية وتبويسا للذقون وتخفيفا من حدة “المراجل” ونزق المواقف، ثم تبين في النهاية ان سعادته لا يتقن اللغة العربية ولا الوزراء الذين أوفدوه الى بيروت.
هذا يعني ان الذين يتهمون كوشنير وموسى بافشال المبادرتين لا يريدون اي مبادرات او حلول حتى ولو جاءت هذه الحلول من عند الله سبحانه وتعالى !
وفي عودة الى تفاصيل المبادرة الفرنسية ثم العربية وما شهدته المواقف من تناقضات وانقلابات، يبدو واضحا ان قوى 14 آذار التي تحس ضمنا بانها في موقع “ام الصبي”، بمعنى انها تمضي في التراجع والتنازل كي لا تندفع الاوضاع في اتجاهات الفوضى العامة والصدامات الامنية التي قد تعيد لبنان الى جنون الحرب الاهلية، هذه القوى تحولت منذ زمن قطعة من ليمونة الحامض التي تواصل المعارضة عصرها بشكل متواصل الى درجة ان عملية العصر وصلت الآن الى القشرة حيث لا ماء… ولا حياء ايضا.
ومنذ تراجع الاكثرية عن الانتخاب بالنصاب القانوني اي النصف زائد واحد، الى القبول بتعديل الدستور خلافا للمبدأ المتصل بالتجديد الكارثي لولاية الرئيس اميل لحود وما أثاره من آلام وفواجع، وبهدف تسهيل انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وصولا الى مطالبة المعارضة بادخال وزراء الخارجية العرب الى الاعدادية اللغوية بهدف كتابة مبادرة تلائم شروط “الاثلاث” اي الثلث المعطل او المثالثة الانقلابية، وعلى امتداد الدرب التي تم سحل الدستور فوقها ليصير مجرد خرقة بالية، يمكن فعلا، على امتداد كل هذه “الفصول”، معاينة عصر الاكثرية وابتزازها خطوة خطوة لنصل الآن الى ما نحن فيه وعليه.
لبنان ينوء الآن بأزمته القاتلة على قارعة الاهتمام الخارجي. فالوساطات والتدخلات والمساعي وصلت كلها الى جدار مقفل تماما، وصار مجرد ذكر اسم لبنان يثير في العواصم الخارجية قرفاً ويأساً ولكأنه لا يمثل وطنا بمقدار ما يمثل عصفورية لمجموعة من المجانين الذين يعودون دائما الى اشعال النار في اذيالهم كل عقد من الزمن او اقل.
الاميركيون فشلوا وتواروا وراء الفرنسيين. والفرنسيون الذين يقطرون اوروبا ديبلوماسياً وراءهم عادة هواة في السياسة الخارجية ويتابعون اخبار غرام رئيسهم نيكولا ساركوزي اكثر طبعا من اخبار خصام اللبنانيين. وإن عاد الينا المسيو كوشنير فنحن نعرف انه لن يستطيع ان يفعل شيئا.
ولقد تم قذف العرب الى هامش الفشل مرة جديدة وباتت الجامعة العربية وامينها العام فريقا لانه أفشل “المبادرة العربية” كما يقول المعارضون !
اذاً هذا يعني ان لا تعريب ولا تدويل. اما عن “اللبننة” فتحدث بحرج وحتى بذرف الدموع، فهي معروفة منذ زمن وقد سبق ان دخلت القواميس السوداء قبل “العرقنة”. وليس امام هذه القبائل المهتاجة من الناقورة الى النهر الكبير من مخارج او حلول. فلقد ضاقت الاختيارات الى الحد الاقصى المعروف.
إما ان نستعيد بقية من عقول تحلق في فضاء الاوهام وفي فناء التورم وفي برية الانقسامات، وإما ان “نفوت في الحيط” مرة جديدة، ونذهب الى الفوضى والصدامات والحرب الاهلية، او في احسن الاحتمالات نواصل المراوحة في حال النزف التي نحن فيها حتى آخر نقطة عافية في جسد الوطن !
والمؤسف ان ليس هناك من يتذكر وقائع تاريخ هذا البلد الذي لا يتسع لا لمنتصرين ولا لمهزومين. واذا كان تاريخنا الحديث حافل بالهزائم التي تشاركنا فيها جميعا ونحن نتناوب على السباحة في الاوهام، فإن الحد الادنى من العقل السوي يفرض الآن على الجميع ان يبحثوا عن “الانتصار السهل” اي ان لا نندفع الى جنون التقاتل!
اليوم يشهد لبنان “برو?ة” حربية جديدة، تضع قناعا مطلبيا لا يخفي حقيقة الاهداف والغايات، وفي زمن لا يتسع إلا لمطلب واحد هو الحوار والتفاهم والذهاب فورا لانتخاب رئيس للجمهورية.
وغداً؟
من يدري ماذا يحصل غداً. حتى الذين يرسمون الطريق لهذه “البرو?ـات” لا يعرفون ماذا يحصل غداً!