#dfp #adsense

مخاطر التفرد بالقرار من جنوب لبنان إلى جنوب فلسطين

حجم الخط

مخاطر التفرد بالقرار من جنوب لبنان إلى جنوب فلسطين

مروان كنفاني

 

من المعروف في العالم، وبخاصة في البلدان العربية، أن السكان المتجاورين على الحدود الدولية التي تفصل بين بلدانهم، تجمعهم صفات مشتركة من حيث العادات والتقاليد واللباس واللهجة. يكاد يصعب التفريق اليوم بين سكان مدن العريش ورفح المصريتين وسكان مدن رفح وخان يونس الفلسطينيتين، ولا بين السكان السوريين واللبنانيين على جانبي الحدود التي تفصل بينهما، ولا بين الجزائريين والمغاربة، خصوصاً أن حدود دولنا العربية قد تم رسمها بشكل أو آخر من قبل قوى أجنبية محتلة. لكن الجدير بالملاحظة أنه قد تبلور في سنوات العقد الأخير تشابه من نوع آخر، نوع ايديولوجي وسياسي ونضالي، بعيداً عن التجاور في الحدود، بين جنوب لبنان… وجنوب فلسطين.


في جنوب لبنان كما في جنوب فلسطين، وبالتحديد قطاع غزة، تسيطر تنظيمات سياسية ونضالية ذات محتوى ديني، رغم الاختلاف المذهبي بين شيعية من هم في جنوب لبنان وسنيّة من هم في جنوب فلسطين. وفي هاتين المنطقتين أيضاً ولاء مطلق للإمام والفتوى، وقناعة عميقة بالتفسير الديني لطبيعة الصراع العربي – الإسرائيلي.


وتتمتّع تلك التنظيمات، في كل من جنوب لبنان وجنوب فلسطين، بسيطرة مطلقة على المناطق التي توجد فيها، مع تأييد نسبي واضح في أجزاء من المناطق الشرقية من بلادها تتمثل في وادي البقاع ومنطقة بعلبك في لبنان، والضفة الغربية في فلسطين.

 

وكلا التنظيمين يتبنى رفضاً مطلقاً للاعتراف بإسرائيل أو التعامل معها، ويخوض مواجهات إعلامية تحريضية ضد سياساتها وممارساتها، ومواجهات دائمة ودامية على الأرض بعضها من صنع إسرائيلي بحت لأهداف لا تخفى على أحد. لم يمض بعد عام على الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، بينما يستمر مسلسل الاجتياحات والاغتيال والقصف الصاروخي يومياً بين «حماس» وغيرها من المنظمات الفلسطينية، وبين إسرائيل، ويدفع في الغالب مقاتلي وناشطي حركة «حماس» و «كتائب القسّام» الثمن الذي تعمل إسرائيل على توزيعه أيضاً على التنظيمات كافة والمواطنين الفلسطينيين بالتساوي.

وتتشابه رؤية حركة «حماس» وتنظيم «حزب الله» من أن أي حل سياسي توافقي فيما يتعلق بالمسارين الخارجي والداخلي، في ظل الشكوك والاتهامات المتبادلة مع نظرائهما من التنظيمات الأساسية الأخرى، يشكل خطراً يهدد ليس وجودهما كتنظيمين فاعلين فقط بل وجود الوطن نفسه واستقلاله وحريته.


وكلاهما أيضاً في مواجهات سياسية، لم تتطوّر في لبنان بعد الى مواجهات مسلّحة كما حدث في قطاع غزة، مع عدد من الأحزاب والمنظمات السياسية الرائدة في بلادها، وينذر الوضع في هذا المجال باحتمالات مثل تلك الصدامات على الأرض، في كلا البلدين، ما لم يتم التوصل إلى حلول توافقية مقبولة في عملية سلام ليس مع الإسرائيليين هذه المرة بل بين اللبنانيين والفلسطينيين أنفسهم.

 

وكلا التنظيمين يتبنى برنامجاً سياسياً ونضالياً واجتماعياً مختلفاً، بل ربما متناقضاً، مع برامج بقية القوى السياسية الأساسية التي تشاطره الوطن. وهو برنامج لا يقوم فقط على اجتهادات ووجهات نظر مختلفة بل على قناعة وتصميم على أنه البرنامج الأمثل والأفضل والوحيد الذي يجب تبنّيه، أو قبوله من دون شروط، من قبل جميع القوى السياسية الأخرى باعتباره الوسيلة الوحيدة لحل كل مشاكل البلاد الداخلية والخارجية والمجتمعية، ويرفض أي صيغة أو اجتهاد آخر، ولو كان شرعيّاً، يعرض أفكاراً أو سياسات تتعارض مع برامج هذا التنظيم السياسية والنضالية. وكلاهما يعتمد على تحالفات داخلية وخارجية قوية، ومصادر تمويل وتسليح وفيرة ومتقدمة.


وكلا التنظيمين يواجه تحالفاً داخلياً معارضاً ومختلفاً في الرؤية والمنهج والأهداف، مدعوم أيضاً بتحالفات داخلية وإقليمية ودولية. وتتهم كل من حركة «حماس» و «حزب الله» تلك التحالفات بمحاولة إلغاء شرعيتها، كما في جنوب فلسطين، أو تحجيم نفوذها كما في جنوب لبنان. وكلاهما يتمتّع بتأييد شعبي مختلف النسبة لدى جماهير الأمتين العربية والإسلامية، وبعض دولها.

 

والتنظيمان عضوان دائمان في لائحة التنظيمات الإرهابية الأميركية وبعض الدول الأوروبية.
وكلاهما، أخيراً، يواجه مصاعب وضغوطاً هائلة ومؤثرة، وتحالفات دول عربية وإقليمية ودولية، ومخططات لحل مشاكل تلك الدول ومطامعها في المنطقة على أرض لبنان أو فلسطين، باعتبارهما أصغر وأضعف دولتين، إذا جاز التعبير بالنسبة لفلسطين، عربيتين في شرق البحر الأبيض المتوسط.

 

ليس هناك من شك في الحق القانوني والأخلاقي لهذين التنظيمين التوأمين في تبوؤ دور أساسي في مقدرات بلديهما، فلقد نالتا هذا الحق من خلال صناديق الانتخاب (كما في حالة «حماس») أو عن طريق التضحيات التي لا يستطيع إنكارها أحد. ولكن المشكلة فيما يبدو أن كلاً منهما يطالب بدور يلغي أدوار الآخرين، أو يهمّشها على الأقل، بينما لا يرغب «الآخرون» في إعطائه أي دور فاعل على الإطلاق. لقد علّمتنا التجارب أن الضغط ومحاولات العزل تدفع أحياناً باتجاه المزيد من التطرّف والعناد اللذين لا يكونان دائماً في مصلحة أي تنظيم ولا في مصلحة الوطن أيضاً. إن ما حصل في قطاع غزة في الصيف الماضي، على خطورته وخطأه، دليل على صحة تلك المقولة. أخطر ما يمكن تصوّره من احتمالات، وليس أبعدها، هو أن يُستعمل أحد أطراف تفاهم جنوب لبنان وجنوب فلسطين أو كلاهما، ربما من دون إرادتهما، من قبل قوى إقليمية أو خارجية للتدخل تحت شعار محاربة الإرهاب أو الحفاظ على استقلال لبنان أو الدفع باتجاه القضاء على «أعداء» السلام في فلسطين.

 

تبدو احتمالات المستقبل المنظور، في ما يتعلّق بالوفاق الوطني والمجتمعي في كل من لبنان وفلسطين، قاتمة في أحسن الاعتبارات. فمع كل يوم يستمر فيه الوضع الحالي المحزن تزداد احتمالات الانفصال النهائي بين شطري الوطن الفلسطيني كما تزداد احتمالات تدهور الأوضاع الداخلية في لبنان. ليس أمام الفرقاء المختلفين على حكم بلادهم، في جنوب لبنان وفلسطين وشرقها وغربها، سوى التوصل إلى وفاق يحافظ على تلك الأوطان، وفاق على برنامج سياسي وطني يضمن مشاركة جميع القوى السياسية ويؤكد ضمانات حقوق الأقليات السياسية، وليس العددية، في ظل حكم الأغلبية التي يقررها الشعب من خلال الانتخابات. ولقد وجدت دول كثيرة، لضمان حقوق الأغلبية والأقلية، حلولاً عديدة أهمها إنشاء مجلسين تشريعيين منتخبين، أحدهما وفق الأغلبية العددية وثانيهما وفق تمثيل مناطقي متساو.

 

لا يبدو من حل آخر ممكن في ظل عدم استطاعة تحالف جنوب لبنان وفلسطين، ولا التحالفات المعارضة له، حسم الموضوع بالقوة على الأرض سوى أن يقود تعنّت الأطراف كافة، وليس بعضها فقط كما تحاول أجهزة الإعلام الترويج له، إلى فتح الأبواب مشرعة أمام تدخّل أجنبي ندفع جميعاً وبلا استثناء ثمناً باهظاً له، ولدينا في العراق وما جرى ويجري فيه شاهد عدل على ذلك.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل