أولمرت يعرض للنمو التاريخي في شمال إسرائيل بعد حرب تموز
واللبنانيون يضعون “حزب الله” على ميزان المساءلة
واللبنانيون يضعون “حزب الله” على ميزان المساءلة
“المنتصرون” يتظاهرون جائعين و”المهزومون”.. متخمون
فارس خشّان
“حزب الله” يدفع اللبنانيين دفعاً الى وضعه على ميزان المساءلة.
عملياً هو الجهة التي دعت الى الإضراب واختارت توقيته. ميدانياً مناصروه وحدهم حاولوا قطع الطرق وأذلّوا في مناطق نفوذهم الأمني كل من “عصا” التكليف الشرعي.
عملياً هو الجهة التي دعت الى الإضراب واختارت توقيته. ميدانياً مناصروه وحدهم حاولوا قطع الطرق وأذلّوا في مناطق نفوذهم الأمني كل من “عصا” التكليف الشرعي.
باسم سعر الرغيف وصفيحة البنزين وطُن المازوت، تحرك “حزب الله”، وباسم كساد المواسم الزراعية والبطالة، جيّش “حزب الله” ـ في مسار مستمر ـ لتأليب الرأي العام اللبناني على الحكومة التي “أقالها”، لأنها “خائنة” ولأنه هو “المنتصر”.
ولأنه فعل ذلك، فإن على “حزب الله” أن يتلقى ـ ولو بصدره الضيّق على غرار البشّارية والستالينية ـ ما يقوله اللبنانيون الذين رفضوا دعوته الى الإضراب ـ وهم الأكثرية الساحقة من اللبنانيين المقيمين خارج الضاحية الجنوبية ـ عن مسؤوليته المباشرة عما آلت إليه الأوضاع الإقتصادية والمعيشية في البلاد.
في اعتقاد هؤلاء اللبنانيين أن “حزب الله” ـ مهما رفع الصوت وأكثر من الشتائم واجتهد في “فبركة” الوقائع ـ لا يستطيع أن يتهرب مما تُكبّدهم سلوكياته، من خسائر فادحة.
وفي هذا الإطار، فإن حرب تموز وحدها، وبغض النظر عن كلفتها المادية والبشرية المباشرة، سحبت لبنان دفعة واحدة الى الوراء بعدما كان يتهيأ لوثبة تاريخية الى الأمام، فقبل ذهاب “حزب الله” الى الجزء الإسرائيلي من الحدود الجنوبية للقيام بعملية “الوعد الصادق” كان لبنان يستعد لأهم موسم سياحي على الإطلاق، وكانت الأسواق تهيئ نفسها لاستيعاب دفق غير منظور من الإستثمارات، وكانت خزينة الدولة ـ أي مال الشعب ـ تخطط بثقة للسيطرة النهائية على نمو الدين العام مستعينة بتقدم كبير مرتقب على الفائض الأولي، وكان الإقتصاد الوطني مرتاحاً الى توفير مئات آلاف فرص العمل نتيجة نمو في الناتج المحلي تخطى، وفق التوقعات، الثمانية في المئة.
ولكن بعد عملية “الوعد الصادق” التي يقول تقرير فينوغراد ـ وهو ثاني كتب “حزب الله” المقدسة ـ أنه أدخل إسرائيل في “حرب لم تستعد لها”، إنقلبت الأمور رأساً على عقب واستيقظ اللبنانيون على كابوس بعدما أكثروا من الأحلام.
وبطبيعة الحال، هرب “حزب الله” إلى الأمام فاحتفل بـ”نصر إلهي” في وقت كان يحضّر “أكفان” الخونة والعملاء والمتآمرين من طينة “المنتج الإسرائيلي”، وانقضّ على ما “عفّ” عنه العدو الصهيوني، باحتلاله وسط العاصمة، حيث أقفلت مئات الشركات، وتمّ تهجير آلاف العمّال، وتهريب عشرات آلاف السيّاح، وتقليل الطلب على منتوجات الفلاّحين والمزارعين، وخفّض الطلب على خدمات السائقين.
ولا يستطيع اللبنانيون أن يُدركوا حجم الخسائر التي ألحقها بهم “حزب الله” تحت لافتة الشراكة إلا متى شخصوا بأنظارهم الى العدو الذي “مُني” بهزيمة “نكراء”.
ووفق إيهود أولمرت في خطاب ألقاه أمام مؤتمر هرتزليا، قبل يوم واحد على إضراب “جائعي” لبنان، فإن شمال إسرائيل يعيش حالة غير مسبوقة من الرفاهية.
ويُعدّد أولمرت مقومات هذا الإزدهار، وفق الآتي:
أولاً، يعيش شمال إسرائيل أطول فترة من الهدوء منذ خمسة وعشرين عاماً.
ثانياً، يشهد شمال إسرائيل نهضة كبيرة وازدهاراً غير مسبوق.
ثالثاً، إنخفضت البطالة الى مستوى يقل عن 7 في المئة.
رابعاً، فائض في ميزان المدفوعات.
خامساً، إنخفاض عدد أولئك الذين يعيشون على خط الفقر.
سادساً، إن العيش في إسرائيل أصبح مضموناً.
حقيقة واحدة تتعلق بلبنان يعترف بها أولمرت: “حزب الله” الذي تمّ إبعاده عن الحدود أعاد تسليح نفسه بواسطة سوريا وإيران.
وعلى الرغم من هذا التفاوت في الواقع بين “المنتصر” والمهزوم، يُمعن “حزب الله” في إلحاق الضرر ببلده “الثاني” وبشعبه، فهو مستمر في تعطيل الحياة السياسية وفي “كربجة” الواقع الإقتصادي، وفي “تهشيل” الإستثمار التشغيلي، وفي “تهجير” القوة العاملة وفي “تفشيل” خطط الإنقاذ المستندة الى نتائج مؤتمر المانحين في باريس الذي نجح الى حد كبير على الرغم من محاولة حرقه بدواليب ذاك الثالث والعشرين من كانون الثاني الأسود.
ولا يكتفي “حزب الله” بذلك، بل يُحاول أن يفرض وجهة نظره على الآخرين، بحيث يتحوّل كل لبناني ينتقده الى خائن وعميل وصهيوني وإسرائيلي. هو “يعتاش” على الهجوم الذي يشنه الإسرائيليون على حكومتهم وعلى جيشهم وعلى أحزابهم. وسائل إعلامه تبث الترجمات العبرية أكثر مما تبث الفضائيات ترجمات المسلسلات المكسيكية. لم يتّهم الصهاينة هؤلاء المنتقدين الذين يستعملهم “حزب الله” ليُبرّر نفسه، لا بالعمالة ولا بالخيانة، ولم تُسجّل التقارير أن أياً منهم قد جرى اغتياله. وهذا بالذات ما يُفسّر تقدم إسرائيل وتراجع لبنان.
هناك حق الإنتقاد يمنع أي حزب من تعطيل الدولة ومن “استغباء” الناس ومن تضييع المكتسبات الوطنية في مجاهل “الغوغائية”، وهنا التخوين يسمح لأي حزب أن يُعطّل الدولة وأن يحرق لقمة عيش الناس وأن يضع الحقوق الوطنية البديهية في “سوق النخاسة” الإقليمية.
أمام هذا الواقع، من يتظاهرضد من؟ حزب “تعطيلي” ضد حكومة “مُعطّلة”؟ أقلية “فالتة على حل شعرها” ضد أكثرية لبنانية مفجوعة بكارثتها؟ مجموعة مرهونة لمصالح سورية وإيرانية ضد شعب يدفع ثمن التشبث باستقلال وطنه؟
حقائق إضراب الأمس، أظهرت لمن يعنيهم الأمر أن “حزب الله” في مكان والشعب اللبناني في مكان آخر، وهي أكدت أن اللبنانيين لا يخشون “حزب الله”. كل التهديدات بإقفال الطرق، وفق سيناريو السنة الماضية، قابلها عزم اللبنانيين على التنقل.
ولأن اللبنانيين يعرفون “حزب الله” جيداً، فيوم أمس تحوّل الى كارثة عليه، بحيث بدا جميع حلفائه “لا شيء” في المعادلة الشعبية. المناطق التي يمثلها نيابياً ميشال عون والملتحقون به من مسيحيي سوريا، عملت بنسبة مئة في المئة.