المعارضة تريد إقامة حكم مستبد في لبنان
تحذير أوروبي: خطط حلفاء دمشق تفجّر الاقتتال الداخلي
تحذير أوروبي: خطط حلفاء دمشق تفجّر الاقتتال الداخلي
من حقيبة “النهار” الديبلوماسية
بقلم عبد الكريم أبو النصر
“المعارضة في لبنان تريد ان تفرض حكما غير ديموقراطي على لبنان، وهي تعطل بالتفاهم مع النظام السوري فرصة ذهبية لتحقيق المصالحة الوطنية من خلال انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، كما انها تدفع اللبنانيين الى الاقتتال الداخلي برفضها كل الحلول التوافقية وآخرها الحل العربي عبر وضعها مجموعة شروط تعجيزية وغير دستورية لاجراء انتخابات الرئاسة.
واكد هذا المبعوث الاوروبي ان المعارضة تتجاوز الخطوط السياسية الحمر وتخرج عن دورها الشرعي وتنتهك قواعد العمل في النظام الديموقراطي برفضها الاعتراف بوجود غالبية نيابية وباتخاذها اجراءات معطلة عدة، كما انها تحرق الدستور وتضرب صيغة تقاسم السلطة المستندة الى اتفاق الطائف مهددة في ذلك السلم والوحدة الوطنية. والمعارضة ليست مستعدة فعلا لاقامة شراكة حقيقية متوازنة في السلطة مع الافرقاء الآخرين بل تبدو مصممة بقوة على الحاق الهزيمة بالغالبية، وهي تعتمد استراتيجيا الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله القائمة على الاملاءات وفرض المطالب على الاستقلاليين بوسائل قسرية وبالتهويل والتهديد والتلميح باستخدام القوة اذا لزم الامر. وشدد المبعوث على ان المعارضة تخطئ بتحويلها معركة انتخابات الرئاسة ازمة خطرة يمكنها ان تهدد النظام اللبناني ككل، كما انها تخطئ بربطها معركة الرئاسة بالمطالب والمصالح السورية”.
هذا ما اورده مبعوث اوروبي اثر زيارته الاخيرة الى بيروت في تقرير داخلي مهم رفعه الى حكومته شدد فيه على انه “من الضروري الانفتاح على جميع الافرقاء والتحاور مع سائر القيادات اللبنانية لحل الازمة المعقدة، ولكن ليس ممكنا في الوقت نفسه المساواة بين الغالبية والمعارضة: فالغالبية تحترم قواعد الممارسة الديموقراطية وتتمسك بالدستور وتمتنع عن استخدام العنف والوسائل غير المشروعة، وتدعو الى انتخاب سليمان رئيساً توافقياً وفقا للاصول الدستورية ومن دون شروط مسبقة او قيود تقلص من صلاحياته ودوره. ولكن في المقابل فان المعارضة تعمل وتتحرك في اجواء من الاغتيالات السياسية وعمليات التفجير والتهديدات المختلفة للقوى الاستقلالية وتطلب صراحة انتهاك الدستور من خلال الاصرار على التفاهم المسبق وخصوصا على هوية رئيس الحكومة وعلى تشكيلة هذه الحكومة وعلى امتلاكها الثلث المعطل فيها وعلى عدد من التعيينات المهمة العسكرية والامنية كشرط لانتخاب رئيس الجمهورية”.
واوضح هذا المبعوث: “ان المعارضة تتمتع كالغالبية بشرعية لبنانية، لكن الغالبية تتمسك بمواقفها الاساسية وترفض شروط المعارضة لانتخاب الرئيس الجديد لانها تريد مواصلة المسيرة الاستقلالية وحماية لبنان من الهيمنة السورية، اما المعارضة فتتشدد في مواقفها ومطالبها لانها تريد صراحة انهاء ثورة الارز الاستقلالية واعادة الروابط القوية بين لبنان وسوريا. وما يعزز شرعية الغالبية انها تلقى دعما من الشرعية الدولية الممثلة بمجلس الامن والدول الكبرى والمجتمع الدولي عموماً ومن الشرعية العربية الممثلة بالمجموعة العربية التي تساند كلها، باستثناء سوريا، هذه الغالبية وحكومة فؤاد السنيورة. أما المعارضة فتلقى دعما من سوريا وايران فقط”.
حقائق خطة المعارضة
وركز المبعوث الاوروبي في تقريره على النقاط الاساسية الآتية التي يرى انها تشكل مضمون خطة المعارضة في التعاطي مع الغالبية ومع الازمة الحادة المعقدة في البلد:
أولاً، تتمسك المعارضة بتفسيرها الخاص للدستور الذي يلائمها حيث تؤكد ان حكومة السنيورة غير دستورية وغير شرعية، وتريد فرض هذا التفسير على الغالبية وتطالب بالتالي بالتراجع عن الكثير من قرارات هذه الحكومة المتخذة منذ انسحاب الوزراء الشيعة الخمسة منها في تشرين الثاني 2006، وبين هذه القرارات تلك المتعلقة بالمحكمة الدولية وبقضايا مهمة اخرى. وترفض المعارضة الاحتكام الى نص الدستور الذي يظهر بوضوح ان حكومة السنيورة دستورية وشرعية ولذلك يتعامل معها العالم بأسره باستثناء سوريا، كما ترفض المعارضة الاحتكام الى مجلس النواب كهيئة عامة لتفسير الدستور وتبدو غير مهتمة بالاعتراف الدولي والعربي الواسع بشرعية الحكومة.
ثانياً، تطلب المعارضة فعليا من الغالبية انتهاك الدستور وخرقه وتجاوز صيغة اتفاق الطائف من خلال التمسك بشروط ليست واردة في الدستور لتأمين انتخاب سليمان رئيسا للجمهورية. وانتهاك الدستور بهذه البساطة والسهولة أمر خطر ويفتح الباب امام كل التجاوزات الدستورية لاحقا، مما يعني ان المعارضة تريد التمهيد لوضع صيغة جديدة لتقاسم السلطة بين الافرقاء اللبنانيين مختلفة عن الصيغة الحالية وغير واضحة المعالم والمضمون. وهذه مجازفة حقيقية.
ثالثاً، الشروط غير الدستورية بل التعجيزية التي تضعها المعارضة لانتخاب رئيس الجمهورية ليس لها سابق في تاريخ لبنان المستقل، وقد تولى العماد ميشال عون زعيم “التيار الوطني الحر” باسم المعارضة مهمة طرح هذه الشروط والدفاع عنها وهو ما لم يفعله أي زعيم مسيحي من قبل وهو ما من شأنه اضعاف موقع الرئاسة وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية بأيد مسيحية.
رابعاً، تتصرف المعارضة على أساس أنها ليست مهتمة باطالة أمد الفراغ في موقع الرئاسة لأشهر، وهي تلتقي في ذلك مع الاستخفاف السوري المعلن بانتخابات الرئاسة. وهذا الموقف ينتقص من أهمية رئاسة الجمهورية ويساعد على تهميش المسيحيين وتقليص دورهم في الحياة السياسية في هذا البلد.
خامساً، تبدو المعارضة غير مهتمة بمواقف العماد ميشال سليمان المرشح الجدي للرئاسة وقيادة الجيش والكنيسة المارونية والبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والغالبية من النواب، وهي كلها رافضة لأي شروط مسبقة يتم وضعها لانتخاب الرئيس الجديد. كما تبدو المعارضة غير مكترثة وغير مبالية بمعاناة اللبنانيين وبالظروف البالغة القسوة التي يواجهونها وهم الذين يريدون وبغالبيتهم العظمى عودة الحياة الطبيعية الى البلد بدءاً بانتخاب رئيس جديد له. وهذه اللامبالاة هي التي تجعل المعارضة تطالب بمعاقبة الحكومة لانها تقوم بتسيير أمور الدولة وشؤون الناس وفقا لما ينص عليه الدستور.
سادساً، تحاول المعارضة تأمين تغطية سياسية وشعبية لمواقفها هذه عبر شنها حملة بالغة القسوة والحدة ضد الغالبية وحكومة السنيورة، وهي حملة حافلة بالتناقضات والاتهامات الجارحة غير الصحيحة، مما يظهر ان المعارضين، وهم حلفاء دمشق، يريدون “سحق” خصومهم السياسيين وليس تحقيق أي نوع من المشاركة المتوازنة العادلة في السلطة معهم، مما يهدد الوضع اللبناني بأكمله.
سابعاً، المعاضة ليست لديها، على ما يبدو، الرغبة في اقناع اللبنانيين بمواقفها وتوجهاتها بل لديها التصميم على “ترهيب” خصومها السياسيين ودفعهم الى الاستسلام لها، اذ ان المعارضة تتعاطى مع الغالبية بطريقة استبدادية فيها الكثير من الغطرسة والاستعلاء وهو ما يثير قلقا مشروعا لدى فئات واسعة من اللبنانيين. فهذا الاسلوب يعني انه في حال فوز المعارضة بغالبية المقاعد النيابية في الانتخابات المقبلة فانها ستحكم لبنان بطريقة غير ديموقراطية ومن دون احترام الدستور فعليا وستحاول ارغام اللبنانيين بوسائل غير شرعية على تقبل مطالبها وبرنامجها السياسي والعودة بالتالي الى زمان الخضوع للهيمنة السورية.
ثامناً: شروط المعارضة لانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية غير قابلة للتطبيق لانها مرفوضة من الغالبية ومن سائر الدول المعنية بمصير لبنان ولانها غير دستورية. وهناك تفسير واحد مقنع لطرح هذه الشروط هو ان المعارضة تريد التشدد في مطالبها وتعقيد الازمة من اجل دفع الدول المعنية الى التفاوض مع نظام الرئيس بشار الاسد والتوصل معه الى تفاهمات تحقق له مكاسب سياسية في الساحة اللبنانية وتكون على حساب استقلال هذا البلد وعلى حساب مصالح ابنائه الحيوية وعلى حساب المحكمة الدولية.
وقد شدد المبعوث الاوروبي في هذا المجال على ان سائر الدول المعنية بمصير لبنان ترفض الرضوخ لشروط حلفاء دمشق وضعوطها وهي لن تعقد مع نظام الاسد الصفقة التي يريدها، لان ذلك سيشكل خطرا حقيقيا على لبنان المستقل وعلى وحدته الوطنية لان اللبنانيين بغالبيتهم الواسعة يرفضون الخضوع مجددا للهيمنة السورية.
دور ميشال عون
وتوقف المبعوث الاوروبي في تقريره عند دور العماد ميشال عون، فقال: “ان حزب الله والسوريين يعتمدون على عون ليس فقط لاضعاف الغالبية ولتقليص دور ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وربما لدفعه الى التخلي عن السعي الى هذا المنصب، بل انهم يعتمدون على زعيم “التيار الوطني الحر” لاضعاف المسيحيين عموما واظهار انه يمكن المساومة على الموقع المسيحي الابرز والاهم وهو رئاسة الجمهورية وتعطيل انتخاب الرئيس لفترة طويلة وذلك بتغطية مسيحية”.
واكد المبعوث الاوروبي ان سياسات عون ومواقفه تضعف قدرته على التأثير في مجرى الاحداث وتضعف معه الدور المسيحي في لبنان، وتوقف في تقريره عند الامور الاساسية الآتية:
واكد المبعوث الاوروبي ان سياسات عون ومواقفه تضعف قدرته على التأثير في مجرى الاحداث وتضعف معه الدور المسيحي في لبنان، وتوقف في تقريره عند الامور الاساسية الآتية:
أولاً، ان عون يعتمد على “حزب الله” وحلفاء دمشق لمحاولة تحقيق هدف رئيسي معلن له هو تعزيز نفوذ المسيحيين في البلد، لكن المشكلة ان ما يهم “حزب الله” هو تعزيز نفوذ الشيعة وتقويته على حساب المسيحيين، وما يهم القيادة السورية هو اضعاف جميع الافرقاء اللبنانيين لتسهيل فرض هيمنتها على هذا البلد.
ثانياً، عون يركز على انه الاكثر قدرة على تعزيز الوحدة الوطنية لكنه في الواقع يقوم بتحريض “مسيحيي ومسلمي” المعارضة على “مسيحيي ومسلمي” الغالبية.
ثالثاً، يشدد عون باستمرار على ضرورة تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية على اساس ان اتفاق الطائف قلصها. لكن هذا المطلب مرفوض من “حزب الله” وحركة “امل”، كما ان الشروط التي يضعها عون لانتخاب سليمان كرئيس جديد تؤدي الى تقليص دور رئيس الجمهورية وصلاحياته بحيث تحوله اسيرا لاتفاق مسبق تم التوصل اليه بين الغالبية والمعارضة في افضل الاحوال.
رابعاً، يبدو واضحا من مواقف عون وتصريحاته العلنية ان الجنرال لم يعد يعطي الاولوية لدعم المسيرة الاستقلالية وكأن الاستقلال ليس مهددا جديا من النظام السوري وحلفائه، بل انه يعطي الاولوية لاضعاف القوى الاستقلالية التي يمثلها فريق 14 آذار كما تمثلها حكومة السنيورة، ولتأمين تغطية سياسية واعلامية لما يقوم به “حزب الله” وحلفاء سوريا في البلد.
وذكر المبعوث الاوروبي في تقريره ان عوامل عدة تساهم في اضعاف نفوذ ميشال عون وشعبيته في صفوف المسيحيين ابرزها تحالفه مع “حزب الله” والقوى المرتبطة بالنظام السوري، اذ ان المسيحيين استقلاليون بشكل عام ورافضون للهيمنة السورية، وابرزها ايضا وقوف قيادة الجيش والكنيسة المارونية بوضوح ضد شروط الجنرال لتأمين انتخاب سليمان رئيسا للجمهورية، ورغبة المسيحيين عموما في ان تتسلم الرئاسة شخصية قوية وهي صفة يتمتع بها قائد الجيش، ووجود تململ واضح وقوي لدى الرأي العام المسيحي من تعطيل انتخابات الرئاسة. وهذه العوامل كلها تؤثر سلبا على ميشال عون وشعبيته في صفوف المسيحيين، اذ تبدلت صورة الجنرال كثيرا منذ فوزه في الانتخابات التشريعية عام 2005 على اساس انه “رجل الاستقلال الرافض الوصاية السورية وسلاح حزب الله”.
وخلص المبعوث الاوروبي في تقريره الى القول: “ليس ممكنا التوصل الى تفاهم حقيقي وجدّي، والى شراكة متوازنة في السلطة بين الافرقاء اللبنانيين، ما دامت المعارضة تعمل على تنفيذ خطتها الحالية الهادفة الى محاولة اخضاع القوى الاستقلالية لمطالبها ولما يريده النظام السوري”.