“عرقنة” أم استعادة “لبننة”؟ اضافة دموية في سياحة الارهاب
جنى نصرالله
موعد جديد مع الموت حلّ هذه المرة في تقاطع الحازمية – الشيفروليه. شهداء اضافيون ادرجت اسماؤهم في لائحة الاغتيال ليشكل صباح امس يوما آخر “مناسبا” لاقتناص المزيد منهم. ضحايا جدد انضموا الى قافلة من لا ذنب لهم سوى ان تواطؤا لعينا بين الزمان والمكان وضع حدا لحياتهم بشكل مأسوي.
انها المصادفة القاتلة تطارد اللبنانيين مجددا. تتربص بهم على الطرق العامة. تصطادهم في الاماكن الاكثر زحمة، مما يجعل الكثيرين يؤمنون مع كل دوي انفجار، بأن عمرا جديد كتب لهم، اذ كان يمكن ان يكون مارا في ذلك المكان.
منطقة جديدة اضيفت الى قائمة المناطق المنكوبة التي وضع حجر اساسها في محيط السان جورج، وليس ما يشير الى ان انفجار الشيفروليه سيشكل المدماك الاخير في تشييد بناء انهيار لبنان في جمهوريته الثانية!
المشهد عينه يتكرر بكل تفاصيله الدامية والمؤلمة: دوي انفجار هائل يقلب حياة اللبنانيين رأسا على عقب، انقطاع جميع خطوط الهاتف في لحظات. اندفاع المواطنين خارج بيوتهم ومكاتبهم ومراكز اعمالهم في حال هلع شديد بحثا عن اهل او اقرباء او اصدقاء شاء حظهم العاثر سلوك هذا الدرب.
لا يمكن ان يشبه الموت نفسه الى الحد الذي يحصل فيه في لبنان حيث يعيش المواطنون ويموتون بالمصادفة عينها.
قرابة العاشرة صباحا، كان اللبنانيون على موعد مع صدمة جديدة لا يخفف تكرارها بوتيرة متسارعة من وطأتها، بل على العكس تماما، ليس لانه من الصعب الاعتياد على مشهد الموت المجاني مهما اعيد واستعيد، بل لان اللبنانيين باتوا يتوجسون من ان يحمل تقارب مواعيد التفجيرات انذارا بدنو انفجار شامل للوضع الامني. وكأن العد العكسي قد بدأ فعلا لتنتهي معه صلاحية الفوضى المنظمة التي لم يكتب لها على ما يبدو ان تحيا طويلا.
حفارو القبور
كان كل شيء طبيعيا قبل دقائق من الانفجار: زحمة سير في محيط الشيفرولية الذي يعتبر شريانا حيويا تتقاطع فيه عدد من الطرق الرئيسية، فضلا عن وجود عدد كبير من الشركات والمكاتب وجامعة الحكمة في الناحية. ما هي الا لحظات حتى انقلب المشهد الى صورة مستخرجة من افلام العنف التي يحظر على اصحاب القلوب الضعيفة مشاهدتها. نار تلتهم اجساد الضحايا وحديد يطبق على صدور سائقي السيارات، واشلاء تطايرت في المكان، ودماء لطخت جدران الجسر الذي وقع تحته الانفجار. انها اشلاء لبنانيين شاهدها المواطنون بالعين المجردة، ولم يخبرهم احد عنها حتى تقشعر ابدانهم لمجرد ورود عبر اشلاء، بل عاينوها عن قرب او عبر شاشات التلفزة التي اعتذر القيمون عليها عن اضطرارهم الى بث هذه الصور، لان اقتطاعها شبه مستحيل اثناء البث المباشر من موقع الحدث. من يتحمل مسؤولية هذا المشهد الحي الذي لم ينجح المواطنون في منع انفسهم من سرق النظر اليه. كانوا يمعنون النظر احيانا في الصور الحية في محاولة لاقناع انفسهم بأن هذه الوحشية ليست حقيقية، بل مجرد صورة لواقع مفترض… ولكن من دون جدوى، انها حقيقية ابطالها اشخاص من دم ولحم، كانوا قبل ايام يشاهدون صور ضحايا اخرين شكلوا وقود مسلسل التفجيرات الطويل والمقزز.
ضرب طوق امني شديد في محيط المكان واتسعت الدائرة الممنوع الاقتراب منها لتشمل عشرات الامتار من مكان الحادث. استنفار من الدرجة العالية لقوى الامني الداخلي الذي انتشرت عناصره بشكل كثيف ولافت، فالرصاصة اصابت منهم هذه المرة مقتلا. عبثا حاول بعض المواطنين الاقتراب الى حيث السيارات المتفحمة، ولكن القوى الامنية كانت تصدهم بحزم. عبثا حاول الصحافيون الاقتراب مجددا بعد ضرب الطوق الامني، ولكن لا فائدة من المحاولة. فرغم اخماد الحرائق المشتعلة بفعل الانفجار ورغم اجلاء الضحايا والجرحى، فإن الصحافيين لم يخلوا المكان. وحدهم كانوا يحدثون عجقة ويؤنسنون المكان بآلات تصويرهم واصوات المذيعين التي تختلط ببعضها البعض اثناء النقل المباشر على الهواء. انها مستلزمات الانفجارات المتتالية التي تكاد تحول صحافيي لبنان واعلامييه الى حفاري قبور. هكذا يندبون حظهم وخصوصا انهم باتوا يلتقون في تغطية الاحداث الامنية اكثر مما يلتقون في متابعة اي قضية اخرى.
عرقنة ام لبننة؟
لم تعد معاينة المكان عن بعد مهمة مستيحلة. فمكان الانفجار الذي وقع تحت الجسر مباشرة محاط ببورة شاسعة اتخذت شكلا نصف دائري. وشكلت هذه البورة ملاذ الصحافيين الذي كانوا اجتازوا وُحولها لمعاينة المكان من جهاته الثلاث. هذا ما كان يجري تحت الجسر، اما فوقه حيث قذفت قوة الانفجار حطام السيارات والحجارة والزجاج، فقد تحول شرفة وقف عليها عابرو السبيل في محاولة لمشاهدة ما يجري في الاسفل. انها سياحة الموت كما وصفها احد الزملاء حين نظر الى اعلى لتقع عينه على جمهور من الرجال والاولاد والنساء يمتد على طول الجسر العلوي.
زحمة الصحافيين والفضوليين في مكان الحادث قابلها خلو تدريجي لشوارع العاصمة من الحركة ليحل مكانها قلق وتوتر شديدان، وهو ما اعتاده المواطنون بعد كل انفجار، وان اختلفت وتيرة انكفاء المواطنين وسرعتها ربطا بحجم الانفجار وسعته.
يخشى اللبنانيون العرقنة. يتضرعون الى الله الا يتحول لبنان عراقا ثانياً حيث تخطى جنون الموت كل حدود. لكنهم تناسوا في سكرة احزانهم انهم يستردون ما سبق ان صدّروه الى العراق او سواه، اذ ان لبنان كان سباقا في اختبار السيارات المفخخة. وكانت اللبننة هي الكأس المرة التي تخشى دول العالم تجرعها. وها هو لبنان يسكب كأسا جديدة ويرتشفها حتى الرمق الأخير، كأن طعم الكأس الاولى زالت عن لسانه، ولكن هل يعقل انها امحت من ذاكرته ايضا؟