لمحة في النظام السياسي اللبناني
الدكتور شربل نصار
الدكتور شربل نصار
تطرح عدة تساؤلات حول طبيعة النظام السياسي في لبنان. هل هو نظام ليبرالي أم هو نظام تسلطي قمعي؟ واذا كان نظاما ليبراليا، هل هو برلماني أم رئاسي أم مجلسي؟ أسئلة قد تكفي لمعرفة طبيعة النظام في الدول الاوروبية وغيرها من الدول الغربية، وتبقى ناقصة بحد ذاتها في لبنان كما في سائر الدول العربية! ففي لبنان تختلط عدة عوامل مع بعضها لتشكل نظامه السياسي. وقد تتناقض هذه العوامل في كثير من الاحيان لتبرز صعوبات عملية يعاني منها المواطنون اللبنانيون مباشرة وتنعكس آثارا سلبية على مختلف الصعد اجتماعية كانت أم اقتصادية أم ثقافية…
وقبل أن نناقش طبيعة النظام في لبنان، سوف نعطي لمحة سريعة عن مختلف الأنظمة التي يمكن أن يتشكل منها نظام سياسي في أي دولة من دول العالم.
بداية، ان الأنظمة السياسية تنقسم بشكل عام الى نوعين: الأنظمة الليبرالية ( الأنظمة الحرة) والأنظمة التسلطية ( الأنظمية القمعية). الأنظمة الليبرالية تشمل بحد ذاتها عدة أنواع من الأنظمة: منها النظام البرلماني والنظام الرئاسي والنظام الذي يعتمد على سلطة مجلس الأمة.
النظام البرلماني وباختصار شديد، وهو الأكثر رواجا في الدول الليبرالية، يرتكز على قاعدة أساسية مفادها التعاون بين ركنين اثنين : السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. ورغم أن مبدأ استقلالية كل من السلطتين معمول به في هذا النوع من الانظمة، تبقى السلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية وتخضع لمحاسبتها. وهذا يأتي في أساس النظام البرلماني. دون أن ننسى السلطة القضائية التي يجب أن تتمتع بالاستقلالية الكافية لممارسة مهامها.
أما النظام الرئاسي فيتميز بالفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ورغم أن الفصل ليس مطلقا غير ان مبدأ مسؤولية السلطة التنفيذية أمام السلطة التشريعية لا يجد مكانه في هذا النظام وبالتالي لا توجد محاسبة مباشرة من السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية. فالوزراء ليسوا أكثر من مساعدين لرئيس الدولة يأتمرون لسلطته المباشرة. والمجلس النيابي لا يستطيع أن يثير مسؤوليتهم السياسية، وهم يخضعون بالتعيين والاقالة الى سلطة رئيس الدولة. هذا النوع من الأنظمة يعتمد مثلا في الولايات المتحدة الأميركية.
أما النظام الذي يعتمد سلطة مجلس الأمة، فيسيطر فيه هذا المجلس على باقي السلطات حيث تكون السلطة التنفيذية سلطة تابعة.
أما الأنظمة التسلطية فهي الأنظمة التي تغيب فيها المنافسة الحرة على تولي المسؤوليات والمهام السياسية وتفتقر الى ما يعرف بالمناوبة على تسلم السلطة. فالحكام في هذه الأنظمة يعملون على تحقيق غاياتهم وأهدافهم ومصالحهم الخاصة ولا يأخذون بعين الاعتبار، لا بل يقمعون، كل رأي مخالف أو مغاير لتطلعاتهم. فالمعارضة ممنوعة بالقوة والعنف. الحرية مقموعة لأنها تشكل حجر عثرة لطموحات الحكام. باختصار، هي أنظمة الحزب الواحد والرأي الواحد والفكر الواحد. والحزب الواحد قد يسيطر عليه شخص (ديكتاتور) وقد تسيطر عليه عائلة أو عشيرة أو حتى أقلية دينية ، اتنية أو ارستقراطية.
بعد هذا العرض السريع يبقى السؤال عن طبيعة النظام في لبنان والى أي من هذه الأنظمة هوأقرب؟
بديهي القول أن لبنان لا يعتمد النظام الرئاسي. فرئيس البلاد لا يتمتع بصلاحية تعيين الوزراء واقالتهم وهم ليسوا معاونيين له، بل يلعبون دورا سياسيا ذاتيا ويتمتعون بشرعية يستمدونها بنيلهم ثقة مجلس النواب. ناهيك عن افتقار رئيس الجمهورية في لبنان لأي حق بالتصويت بما يتعلق بمقررات مجلس الوزراء. فهو ان حضر جلسات هذا المجلس، وله الحق بذلك متى شاء، يدير الجلسات ويبدي آراءه دون أن يكون لرأيه أي الزام أو مفعول قانوني. وهذا بعيد كل البعد عن أي نظام رئاسي. وان صح السؤال عما اذا اعتمد لبنان النظام الرئاسي في جمهورية ما قبل الطائف، فانه اليوم مستبعد الى أقصى حد.
ومن الأكيد أيضا أن لبنان لا يعتمد نظام مجلس الأمة لأن ليس لمجلس النواب فيه أي دور تنفيذي. هذا ويتمتع مجلس الوزراء بهامش لا بأس به من حرية الحركة.
يبقى التساؤل اذا كان لبنان يعتمد نظاما قمعيا أو قريبا من الأنظمة القمعية؟
في الواقع، يمكننا الجزم دون تردد أن النظام اللبناني ومن الناحية النظرية هو بعيد كل البعد عن الأنظمة القمعية. فالدستور في لبنان ينظم الحياة السياسية ويأخذ بعين الاعتبار ارادة الشعب الذي هو، حسب الدستور، مصدر السلطات. ويؤكد الدستور على احترام الحريات العامة وحقوق الانسان وحرية المعتقد. ولا يبخل الدستور اللبناني عما يضمن الحياة الكريمة للمواطن اللبناني وعما يحميه من أي قمع أو تسلط. كما يعرف الدستور اللبناني صراحة النظام في لبنان بأنه ديمقراطية برلمانية، ترتكز بشكل اساسي على تعاون السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتكون السلطة التنفيذية مسؤولة سياسيا أمام السلطة التشريعية وتخضع لمحاسبتها. دون أن ننسى الجناح الثالث للنظام وهو السلطة القضائية التي يجب أن تبقى مستقلة تماما وغير خاضعة بممارسة مهامها لأي تدخل من قبل كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية… اذا ومن الناحية النظرية الدستورية، لبنان بلد ديمقراطي برلماني. (يراجع مقدمة الدستور اللبناني فقرة ج وه، كما الباب الثاني من الدستور المتعلق بتنظيم السلطات).
هذا جيد و لكن غير كاف. فمتعارف على أن بعض الأنظمة تلجأ الى تجميل صورتها ازاء الرأي العام الداخلي والخارجي باعتماد نظام ليبرالي الشكل والمظهر وقمعي الممارسة والاداء. فيكون النظام من الناحية النظرية، أي فيما يتعلق بقواعده الدستورية، ليبراليا بحده الأدنى، ويكون قمعيا بحده الأقصى من الناحية العملية. فهل النظام الديمقراطي البرلماني في لبنان لا يتعدى كونه نوعا من أنواع تلك المناورات؟
الاجابة أكثر تعقيدا ودقة من أن تختصر بنعم أو لا. ولن نعكس حقيقة الواقع اللبناني اذا اعتبرنا ان الممارسة السياسية في لبنان تجعل من نظامه نظاما قمعيا من الناحية العملية. فالمواطن اللبناني قد يتمتع (أو لا يتمتع) حسب الظروف السياسية للبلاد، بهامش من الحرية السياسية يعبر فيه عن آرائه ويمارس حقوقه دون قمع حقيقي ومباشر من قبل السلطة على الأقل. هذا لا ينفي عدة ممارسات شاذة لا تأتلف وطبيعة النظام الليبرالي، ولكن الممارسة في لبنان ليست، بالشكل المطلق، ممارسة قمعية. وحتى في الأوقات التي فقدت فيها الدولة اللبنانية قرارها كليا حيث خرجت الممارسة السياسية عن المألوف وتعرض اللبنانيون الى درجة عالية من القمع والتهديد، استطاع اللبنانيون المحافظة ولو على قدر غير كاف من الحريات العامة والممارسة السياسية وكانت التكلفة غالية جدا.
ولكن… يبقى لبنان بعيدا عن اعتبار الديمقراطية فيه ناجزة وراسخة. فالمجتمع اللبناني ما زال بعيدا عن هكذا واقع والديمقراطية فيه ما زالت فتية كما شبهها البعض. فهي بحاجة الى تطوير وترسيخ. ان الخطوات على درب الليبرالية طويلة وهي لن يتم اجتيازها بسهولة. وهذه هي حال الشعوب التي رفضت الخضوع والاستكانة والاذلال وصارعت طويلا للوصول الى انظمة تحفظ الى حد ما حقوقها وتحمي حرياتها. وعلى المجتمع اللبناني أن لا ييأس ويكمل مشروعه المميز بغية التوصل الى ليبرالية حقيقية راسخة لا تهتز مع اشتداد الريح ولا تخشى هبوب العاصفة. فالديمقراطية اللبنانية ما زالت طرية وغير ثابتة، تتعرض للاهتزاز والاستغلال، تنتعش حينا وتركد حينا آخر حسب الظروف الدولية والاقليمية وحسب الأشخاص الذين يتناوبون على ادارة السلطة. ولا يكفي أن نتغنى بنظامنا الديمقراطي، لأن الديمقراطية ليست فقط حبرا يكتب على اوراق الدستور بل أيضا فعل وممارسة يحميان قواعده من التشويه والنسيان. وهي قناعة شعب يفهم معنى المصلحة العامة ويؤمن بثوابت مجتمعه ويعمل على حمايتها. الديمقراطية هي أولا عقد اجتماعي يتفق من خلاله أبناء الوطن على أسس سليمة تحفظ كيانهم وتحمي وجودهم. فكلما ضعف العقد ضعفت الديمقراطية وتهدد وجودها وتعرض أبناء الوطن للسوء والانهيار. وهذا ما يحصل اليوم في لبنان حيث لم يتمكن بعد أبناء الوطن الواحد من الاتفاق على خيارات تجمعهم وتشكل الحصن المنيع الذي يبعد الأخطار التي تهدد كيانهم. وهل الكل يؤمن حقيقة بنهائية لبنان وبالانتماء اليه بصيغته الحالية ويضعه في أول الأولويات؟!
وبعد… اضافة الى أن الديمقراطية في لبنان طرية أو فتية، تتميز برلمانية لبنان أيضا بخصوصية معينة وتحتوي على عدة مفاهيم لا تعتبر أساسا من صلب النظام البرلماني. فالمجلس النيابي الذي ينتخب مباشرة من الشعب يعكس بالتالي ارادته. لذلك ان صلاحيات هذا المجلس هي صلاحيات واسعة، خاصة على الصعيد التشريعي، وهذا هو واقع الحال في لبنان. أما الفرق الاساسي هو أن المجلس النيابي اللبناني يبقى خاضعا لعدة اعتبارات ولو أنه بالاساس صاحب الصلاحية المطلقة للبت فيها. فالنواب في لبنان لا يقترحون مثلا رئيسا للحكومة لا ينتمي الى الطائفة السنية حتى ولو كان هذا الشخص صاحب أغلبية نيابية. كما أنهم لا ينتخبون رئيسا للبلاد غير ماروني أو رئيسا للمجلس النيابي غير شيعي. وهذا في الأصل لا ينطبق كليا على مفاهيم الديمقراطية البرلمانية حيث ارادة الأكثرية تفرض ليس فقط التشريع بل أيضا المسؤولين الذين يتولون شؤون البلاد. ولا يجب أن يفهم أن الدستور اللبناني يفرض بنص صريح أن يكون الرئيس مارونيا ورئيس الحكومة سنيا ورئيس المجلس النيابي شيعيا. انها أعراف دستورية كرستها مواثيق التفاهم بين اللبنانين على تقاسم السلطة فيما بينهم. ولكن لهذه الأعراف قيمة دستورية لا يمكن تجاوزها الا بنص دستوري صريح. ومع هذه التعديلات على النظام البرلماني، ترتكز ممارسة السلطة في حالنا هذه ليس على قاعدة الأكثرية فحسب بل تتداخل فيها اعتبارات أخرى وهي بشكل اساسي اعتبارات طائفية. والتوزيع الطائفي لا ينحصر فقط بالرؤساء المذكورين، بل يشمل كذلك تكوين السلطات التي يتألف منها النظام بحيث تتوزع المناصب والمقاعد بين مختلف الطوائف.
بغض النظر عن مدى ملاءمة هذه التعديلات في نظامنا السياسي، وسوف نعالج هذه النقطة في محطات لاحقة، نكتفي الآن بالاشارة الى أن هذه التعديلات يمليها التكوين الديموغرافي للبلاد حيث تتألف من مجموعة طوائف تتساوى الكبرى منها نسبيا من حيث الحجم وقوة التمثيل. وسوف يكون لنا في دراسات لاحقة تفصيل لعدة نقاط طرحت في هذا المقال منها دور السلطات وطريقة عملها وصلاحياتها. كما سوف نناقش عدة نقاط دستورية تنمي لدى المواطن الثقافة القانونية الصحيحة بعيدا كل البعد عن التجاذبات السياسية التي تربك أفكاره بتفسيرات وتأويلات قد تكون في بعض الأحيان بعيدة عن المعاني الحقيقية لقواعد الدستور اللبناني وروحه.
ونكتفي بالاشارة هنا الى أن هذه الاعتبارات الطائفية وعلى فرض أهميتها للمحافظة على التكوين الديموغرافي للبلاد، تتسبب في الواقع الحالي للمعطيات الدستورية والقانونية بتعقيدات عدة يجب العمل على حلها وفق آليات علمية متطورة تأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي للبلاد والاتجاه الذي يستطيع اللبنانيون السير به على اختلاف انتماءاتهم وقناعاتهم وتوجهاتهم ومعتقداتهم. ودون ابتكار الحلول المناسبة يبقى لبنان أسير نظام يتأرجح بين برلمانية معدلة وفدرالية طوائف غير منظمة تتمتع فيها كل طائفة، وخاصة الكبرى منها، بحق الفيتو مما يعقد الحياة السياسية فيه ويجعلها أكثر عرضة للتجاذبات، ويسمح بالعرقلة. وقد تصل الأمور الى توليد أزمات خطيرة تؤدي الى استحالة حقيقية في حكم البلاد.
فبين الديمقراطية الطيعة وبرلمانية الطوائف يحتاج المجتمع اللبناني الى كثير من الجهد للتوصل الى نظام ليبرالي حقيقي يشق طريقه لعالم الأحرار ويمنح الديموقراطية الفعلية بدءا من أبسط حقوق الانسان والمواطن، مرورا بعمل الجمعيات والاحزاب، وصولا الى ممارسة السلطة…