لعلّ وعسى…
سمير منصور
قطعاً، لم يكن في الإمكان عزل جريمة اغتيال الرائد وسام عيد ومرافقه المعاون أسامة مرعب عن المناخ السياسي العام وعن أكثر من ملف أمني وإرهابي كبير، نظراً الى الدور المهم والدقيق والمتميز الذي كان الرائد الشهيد يضطلع به في فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي، وقد تمكن من الإمساك بخيوط رئيسية في أكثر من جريمة أمنية وسياسية كبيرة بدءاً بالجريمة الزلزال التي استهدفت الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وما أعقبها من مسلسل جرائم اغتيال وتفجيرات. كان هذا الضابط الشاب، وفق اجماع رفاقه وعارفيه، “عقلاً” أساسياً في هذا الجهاز، هو المتخصص بالهندسة الالكترونية، بعيداً من أي خلفيات سياسية. وتعرض الجهاز الذي ينتمي اليه الشهيد لهجمات سياسية مركزة لغايات واسباب سياسية بحتة، بعضها استمر الى ما بعد جريمة الاغتيال الجديدة. وكان مستهجناً أن يبدأ أحد “الجهابذة” من النواب بعد ساعات من الجريمة في برنامج تلفزيوني، التشكيك بالجهاز نفسه الذي ينتمي اليه الشهيد متهماً إياه تلميحاً، ثم بمحاولة التذاكي عبر التساؤل عمن “سرّب” أهمية هذا الضابط الشاب كي يُتخذ القرار باغتياله!
واستناداً الى “تحليل” النائب المذكور، يكون أول المتهمين بالجريمة المؤسسة التي ينتمي اليها الشهيدان… لعل وعسى هذه الجريمة تشكل حافزاً لكثيرين من السياسيين كي يتنبهوا الى كثير مما يقولونه ولاسيما عن الاجهزة الامنية والمؤسسات العسكرية لغايات ومآرب سياسية واضحة تتعلق بالصراع في المرحلة الراهنة. وهذا لا يعني أن الاجهزة والمؤسسات، بما فيها أجهزة الاستقصاء والمخابرات على انواعها، “منزّهة” عن النقد، اطلاقاً. ولكن تجاهل ما قامت به، وبعضها في حجم الانجازات، في كشف مرتكبي جرائم كثيرة فردية وارهابية، فيه الكثير من الظلم والتجني. ولا يتعلق الامر هنا بشعبة المعلومات أو بغيرها حصراً. ولكن الخطاب السياسي عند كثيرين، ومن كل الاطراف، غالباً ما ينحو في اتجاهات أقل ما يقال فيها أنها غير واقعية وغير مسؤولة، ولاسيما عندما يكون لمآرب وحسابات شخصية، واضحة ومكشوفة. ويفترض أن تكون هذه الجريمة، وهي الثانية ضد الجهاز المذكور بعد محاولة اغتيال المقدم سمير شحادة الذي نجا بأعجوبة وانتهى مهاجراً في بلاد الله الواسعة، والتي وقعت بعد 45 يوماً على اغتيال ضابط كبير في الجيش هو اللواء الركن الشهيد فرنسوا الحاج حافزاً لتحييد الأمن والعسكر عن السجالات ذات الطابع السياسي البحت اياً يكن نوعها ومصدرها ومستواها… واذا كانت لبعضهم مآخذ على مؤسسة أو جهاز ما، فيفترض أن تعالج وفق منطق رجال الدولة في التعامل مع الامور العامة، لا عبر نشر الغسيل الوسخ على “السطوح” الداخلية والفضائية.
وجاءت الجريمة الجديدة عشية اجتماع يكتسب أهمية خاصة لمجلس وزراء الخارجية العرب في جامعة الدول العربية، إذ يتوقف عليه مصير ا لمبادرة العربية لحل الازمة الرئاسية اللبنانية، والتي اختلف طرفا الازمة المعارضة والاكثرية النيابية على تفسيرها، وبديهي القول ان من اهداف الجريمة في توقيتها، احداث مزيد من الضغط لاحباط مشروع الحل.
وأبسط ما يمكن أن ينجم عن اجتماع اليوم في القاهرة أن يؤكد وزراء الخارجية العرب مبادرتهم ويدعوا جميع الاطراف الى التزام مضامينها، مع إصدار ملحق يفسر مقاصدها والنقاط التي كانت موضع خلاف وتحديدا تلك المتعلقة بقيام حكومة اتحاد وطني وتركيبتها وحجم “الحصص” فيها، علماً أن المبادرة دعت الى انتخاب فوري للرئيس التوافقي وقيام حكومة اتحاد وطني لا تفسح تركيبتها في المجال أمام أي طرف للاستئثار بالقرار أو تعطيله ولم توافق المعارضة على “مخرج” إعطاء الصوت الوازن في مجلس الوزراء للرئيس الذي توافق عليه الطرفان، وهو العماد ميشال سليمان. من هنا فإن التفسير مطلوب وأكثر من ضروري، ولكنه قد يعني عودة الامور الى نقطة الصفر إذا جاء مطابقاً لما أعلنه الامين العام للجامعة عمرو موسى قبيل مغادرته بيروت، فقد اتهمته المعارضة على الأثر بـ”الانحياز” الى منطق الاكثرية إذ فسرت (المعارضة) البند المتعلق بالحكومة أنه مساواة في عدد الوزراء بينها وبين الاكثرية. إذاً، يحتاج الأمر الى تحرك استثنائي كأن يأتي وفد وزاري عربي الى بيروت دعماً للمبادرة وتفسيراً لها!