مدرسة “حزب الله” الأمنية مقتنعة بأن هناك صلة جوهرية بين المواقف السياسية وبين الأعمال الإرهابية
من اغتال عيد.. المخابرات السورية أم تلك التابعة لقوى 8 آذار؟
فارس خشّان
كما هي عليه العادة، إستنكرت قوى الثامن من آذار توجيه التهمة الى النظام السوري في جريمة اغتيال الرائد وسام عيد، على أساس أن الواجب يقضي ترك المسألة برمتها للتحقيق الذي عليه فرض إقامة الدليل.
وكما هي عليه هذه العادة أيضا، فإنه بمجرد أن يبرد الجرح وتتكفّل الأيام بـ”تصغير” المصيبة، يطل على اللبنانيين من يُحاول إقناعهم، متدثرا بالعدو الإسرائيلي ـ بأن الجريمة تستهدف، فقط وحصرا، قوى الثامن من آذار والنظام السوري، على اعتبار أنّها أربكتها سياسيا وسلّطت عليها الأضواء شعبيا وسمحت لقوى الرابع عشر من آذار باستغلالها في صراعها المفتوح معها!
وعلى ما هو سائد، فإن منطق قوى الثامن من آذار لا يتعدى كونه مجرد تشتيت للإنتباه عن جريمة جديدة يتم الإعداد لها، فبعد “تبرير” اغتيال النائب الشهيد أنطوان غانم جاءت جريمة اغتيال اللواء الشهيد فرانسوا الحاج، وبعد “التضليل” الذي مورس لحماية القاتل وقعت جريمة اغتيال الرائد الشهيد وسام عيد. والحبل على الجرار.
أما في واقع الحال، فإن قوى الرابع عشر من آذار تمتلك حق اتهام قوى الثامن من آذار بالوقوف وراء هذه الجريمة، تماما كما يمتلك أهالي دير عمّار أحقية توجيه الغضب نحو سوريا حيث يقبع نظام يعرفه اللبنانيون “حلّة ونسبا”.
من أين منبع هذا الحق؟
قبل أقلّ من أسبوع، أطلّ نواب “حزب الله” ومسؤولوه على اللبنانيين ليحمّلوا كلا من الرئيس أمين الجميل والدكتور سمير جعجع مسؤولية أي عملية اغتيال يمكن أن تستهدف السيد حسن نصرالله، والسبب في ذلك أن هاتين الشخصيتين إستهجنتا “خطاب الأشلاء البشرية”، وقد اعتبروا أن هذه المواقف تكشف نصرالله وتخلق مناخا مؤاتيا لاغتياله، الأمر الذي أتاح للشيخ نعيم قاسم أن يرفع سبابته متوعدا الداخل إن أقدم الخارج على اغتيال نصرالله.
وقبل أيام عدة، أخرج نواف الموسوي من معينه مندوحة شتائم غير مسبوقة ببذاءتها ضد تلفزيون “المستقبل” لأنه استضاف في برنامج “الإستحقاق” للزميل علي حمادة الدكتور سمير جعجع، محمّلا الوسيلة الإعلامية مسؤولية ما قاله أحد الزعماء اللبنانيين، وفيه رد مفحم يُظهر أن “حزب الله” طالما كان رياديا في عمليات الإغتيال السياسي والعسكري والأمني في البلاد.
ماذا يعني كل ذلك؟
إنّ “حزب الله”، بطبيعة المهمة التي كلّف نفسه بها واحتكرها، تنظيم أمني بامتياز، ولأنه كذلك فهو يضع كل حدث على مشرحة الأمن حيث يجهد في تحليله وقراءة تداعياته، وتاليا هو متيقن أن الموقف السياسي لا يمكن فصله عن العمل الأمني، لا بل هو متأكد أن المواقف السياسية يمكن أن تكون مجرد تمهيدات لعمليات أمنية، ولذلك سارع في مسألة متصلة بنصرالله الى عملية وقائية هدفها وضع التهمة بعهدة صاحب الموقف والوسيلة الإعلامية التي تبثه أو تستضيف الناطق به.
وبمراجعة اختصاصيين في العلم الجنائي يتضح أن ما يقوله “حزب الله” عن الصلة بين الموقف وبين الفعل صحيح، على اعتبار أن هناك استحالة فصل قاطع بين مواقف قوى سياسية تحميها أجهزة أمنية ومرتبطة بأجهزة أمنية خارجية وبين المواقف التي تُطلقها في سياق أوركسترالي، بمعنى آخر فإن هذه القوى لا تُطلق موقفا حبا بتسجيل الموقف، ويأتي من لا صلة لها به ليُريحها من عبء من تُدرجه في قائمة الأعداء.
وهنا بالذات، وبعيدا من بذل الجهد في نقاش ما إذا كان هذا المبدأ الجنائي ينطبق على ما قاله جعجع والجميل أم لا، تكمن كل الحقيقة، سواء توصل القضاء التحقيقي الى أدلة أم لم يتوصل.
فاعتمادا على مدرسة “حزب الله” الأمنية، فإنّ جريمة اغتيال الرائد وسام عيد تقع على عاتق قوى الثامن من آذار والنظام السوري.
كيف يتضح ذلك ؟
كان الشهيد وسام عيد يتولى مسؤولية الفرع الفني في شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وقبله كان يتولى المقدم سمير شحادة مسؤولية فرع الأمن القومي في هذه الشعبة التي يرأسها المقدم وسام الحسن.
وفي ضوء حملة كبرى تولتها قوى الثامن من آذار وأجهزة الإعلام التابعة للمخابرات السورية ضد شعبة المعلومات ورئيسها، وبُعيد فبركة تهمة فبركة الشهود التي استهدفت المقدم شحادة شخصيا (حالة حسام طاهر حسام)، وقعت محاولة اغتياله في منطقة الرميلة، وذلك بعد محاولة اغتيال جرت أيضا للنقيب وسام عيد.
عمليا، هاتان المحاولتان اللتان حدثتا على وقع حملة شعواء ضد شعبة المعلومات هدفتا، أوّلا بأوّل، الى تقطيع الأذرع التي يتكل عليها “المشنّع به” المقدم وسام الحسن.. أي أن عدو شعبة المعلومات أعرب عن نيته بهجومه اللاذع ومن ثمّ أقدم على فعلته، بيده مباشرة أم بيد إستخدمها لهذه المهمة القذرة.
وبعد “الهجوم الأول” الذي نجمت عنه “حماية” المقدم سمير شحادة في الخارج نظرا الى حاجة لجنة التحقيق الدولية إليه حيّا لمرحلة المحاكمة ـ على ما يبدو ـ بدأ التحضير للهجوم الثاني الذي “تكلّل”، أول من أمس، باغتيال الرائد وسام عيد.
من هم أصحاب المصلحة، وفق مدرسة “حزب الله” بالتخلص من عيد؟
إنّهم أعداء التحقيق الدولي، وهم جماعة مشتركة من قوى الثامن من آذار والمخابرات السورية.
إنهم أولئك الذين رسموا خطا أحمر حول مخيم نهر البارد لحماية “فتح الإسلام” وردوا عن هذا التنظيم الإرهابي تهمة الإنقضاض الجبان على ضباط الجيش اللبناني وأفراده وألصقوها بشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، التي كانت تُنجز عملية نوعية أنقذت كل طرابلس في شارع المئتين حيث أصيب عيد بجروحه غير القاتلة.
إنّهم جميع الذين وجّهوا تهمة الى شعبة المعلومات بأنها أعطت العدو الصهيوني إحداثيات عن موقع السيد نصرالله، خلال حرب تموز، من أجل اغتياله (والإحداثيات مرتبطة بالفرع الفني الذي كانت مسؤوليته تقع على عاتق من أصبح اليوم شهيدا).
إنّهم السياسيون ـ الأدوات الذين تولوا شنّ هجوم عنيف من على منابر “حزب الله” وسائر قوى الثامن من آذار، ضد شعبة المعلومات.
إنّهم كتبة المخابرات السورية الذين كانوا يُلهمون ألسنة أدواتهم في لبنان نوعية المسار التهجمي على شعبة المعلومات.
أمام هذه المعطيات، يبدو أن قوى الرابع عشر من آذار ومعها الحكومة اللبنانية بحاجة الى نعيم قاسم ما.