“الجريمة والعقاب”
ميرفت سيوفي
ليس قدراً إغريقياً شديد المأسوية ما يعيشه اللبنانيون. وليس قدراً أن يقبل اللبنانيون هذا التعايش المروع مع رائحة الموت في الشوارع، والحرائق، والجثث المتفحّمة!!
ليس قدراً أن يستمر الصمت والكاميرات تدور من محيط السان جورج الى محيط الشفروليه على مدى أعوام ثلاثة تطارد شبح الدخان الأسود والحريق ليقودها الى مشهد واحد: لحوم اللبنانيين التي تشوى في بث مباشر على الهواء!!
ليس قدراً أن يخرج الناس من بيوتهم أو أن يعبروا شوارع مدينتهم فيترصدهم موت محدق، عند تقاطع طرق أو عند طرق فرعية أو تحت الجسور أو فوقها..
ليس قدراً أن تركض أمٌ أو أختٌ أو بنتٌ أو زوجة الى الشاشة لتتابع الاخبار فترى زوجها أو إبنها أو قريبها أشلاء أو.. «جثة بلا رأس»، أو بقايا جثة!!
ليس قدراً ما يفعله القاتل في شوارعنا إنها الجرائم المنظمة وغير الكاملة وكلما اتسعت دائرة القتل، كلما زاد عدد القتلى كلما اقتربت لحظة المعرفة، ليست جريمة كاملة، كان يراد لها أن تكون قتلاً بلا تحقيق، بلا محاكمة، ولا إدانة، ولا محكمة، ولا عدالة ولا عقاب عاكس اللبنانيون مخطط القتل، فأمعن القاتل في قتله!!
عشنا عامين، على إيقاع الجرائم، ها نحن قد دخلنا مرحلة قتل كل من يلامس المعرفة بحقيقة الجرائم.. عندما تحتاج الجريمة الى جرائم إضافية تمتد كسلسلة، يصبح ثقل سلسلة الدم بغلاظة وثقل حبل مشنقة!!
ليس قدراً، هذا الذعر الذي ينتاب اللبنانيين فيشعرهم بأنهم واقفون في العراء وجها لوجه أمام القتل وآلته ومدبريه!!
ليس قدراً، هذا الذي يقع على بيوتنا فيجللها بالسواد، وعلى شبابنا، أفضل شبابنا فيظللهم بأجنحة الموت!
متى يكسر عنّا الله هذه الحلقة الملعونة التي تحبسنا في القتل والقتلى..
ليس قدراً، أن يظل لبنان مشروع قتيل لا مشروع دولة.. ليس قدراً، أن نظل نخرج من بيوتنا فلا نعود ولا يعرفون أن جثثنا هي جثثنا، ولا تبقى لجثثنا معالم ليتعرّف علينا ذوونا!!
ليس قدراً أن لا يتمكن الأهل من رؤية جثث أبنائهم من شدّة تشوّهها!! لا.. ليس قدراً.. وليس عدلاً، أن تربي أم عكارية شاباً، ويكابد أبوه ليعلّمه، وعندما يكبر ويصير قد حان وقت الفخر بما صار عليه يدهمنا البكاء والتفجّع على شبابه!!
ليس عدلاً!! ما هذه المعادلة التي لم يعد لبنانيٌ يفهمها؟ ما هذا الموت الذي يفاجىء شوارعنا؟ هل هو القاتل؟ أم هو الموت يرسل الله ملكه ومعاونيه ليقبضونا زمراً وفرادى وجماعات؟!
ما هذه المعادلة التي لا تكفّ عن دفعنا الى حافة الكفر والجحود والنكران والجنون أيضاً.. هل هي إرادة القاتل؟ هل هي إرادة الله؟ وإذا توافقت الارادتان؟ أي عقلٍ سيحتمل جحيم هذه المعادلة، وكيف تؤكد إرادة الله إرادة القاتل؟ فأية معادلة كافرة هذه التي تحاصرنا بالسؤال.. وأي إمهال على الشعب اللبناني انتظاره، وإن كان سبحانه يُمهل ولا يهمل، وإذا صدقنا يقيناً بقدرته وصدّقنا إمهاله، فأي مهلة هذه التي أمهلها للقاتل تاركاً إياه يقتات من جثث أبنائنا.. وإذا ما فكّرت قليلاً في أنه تعالى أمهل «إبليس» الملعون الى يوم ينظرون، فهل مهلة القاتل أقل من ذلك بقليل..
ثمّة عاقلون على حافة الجنون، وثمّة مؤمنون على حافة الكفر، فعندما يصبح الموت عبثياً ووقحاً الى هذا الحد من يستطيع أن يظل يراه حقّاً؟! وعندما يصبح الكفر قدراً يومياً يصبح الإيمان عبثياً لأنه يظلّ على حافة «الزلزلة»!! من يستطيع احتمال فكرة أن يظل إيمانه عُرضة لمحن الزلزلة..
لا.. ليس قدراً ما يقع علينا، وليس قدراً الصمت والبكاء والتشييع.. ليس قدراً بل قتلاً، ولا بدّ لكل جريمة من عقاب، مازالت تحيط بنا الجرائم، فمتى يحيط بالقتلة العقاب؟!