الذاكرة الضعيفة والمجرم القوي؟!
الفرد نوار
ليست المرة الاولى وليست الرسالة السياسية الاولى التي تستهدف الدولة بمثل هذا الوضوح لتمنعها من ان تكون دولة «الا بالحجم المرغوب»، حتى ولو اقتضى الامر منع انتخاب رئيس للجمهورية. ومنع فتح مجلس النواب ومنع التفاهم على حكومة الا بالحجم المرغوب.. وكل ما عدا ذلك مرفوض بالكلام وبالفعل وبالدم!
القصة التي لم يستوعبها اللبنانيون الى الان يتجاوز عمرها ثلاثين عاما. وهم يتناسون ما حصدته تباعا وكأنهم لا يريدون تصديق ان لبنان الذي وضع على خط الزلازل الاقليمية والدولية لن تقوم له قائمة، الا في حال تحول بالقوة ام بالخنوع الى مجرد رقم تابع. والادلة على ذلك:
– اغتيال رئيسين منتخبين للجمهورية (بشير الجميل ورينيه معوض) كونهما من طينة مختلفة جذريا عما لحق!
– اغتيال رئيسين للحكومة (رشيد كرامي ورفيق الحريري) من منطلق ان تغييبهما يعزز مؤامرة وضع لبنان في مهب الريح.
– اغتيال وزراء ونواب ومفكرين واعلاميين ورجال اعمال وسفراء وقضاة «لتأكيد قدرة اصحاب الشأن الجرمي على التصرف في وضح النهار».
والذين لعبوا بسياسة البلد من خلال تفريخ قيادات وسياسيين وزعماء وقضاة وقادة عسكريين أمنيين وسفراء، امكن لهم الوصول الى عمق اللعبة السياسية – الامنية في البلد، بدليل ان من ما ساهم بلغ الذروة، فيما يعرف الجميع مصير كل من عارضهم بطريقة ام بأخرى. وبدليل اخر اكثر وضوحا من كل ما عداه هو «استمرار الصناع» في خط عمل متواصل لا يكل ولا يمل، «ضد كل ما له علاقة بامكان اعادة الحياة الى طبيعتها»، طالما ان «الصنف الآنف لا يجد من يخيفه على حاضره ولا يهدد مستقبله».
وفي جديد مسلسل الجرائم السياسية، تركيز الجناة اخيرا على الجيش وقوى الامن الداخلي. وقد جاء اغتيال مدير العمليات في قيادة الجيش العميد فرنسوا الحاج، ثم النقيب في فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي وسام العيد في وقتين متقاربين، بمثابة تأكيد واضح من جانب اصحاب مشروع تدمير الدولة انهم لا يأبهون للنتائج ولا يتخوفون من امكان كشفهم، لا سيما ان استهداف الجيش جاء على مسافة قريبة من مقر قيادته حيث دلت جريمة اغتيال العميد – اللواء فرنسوا الحاج على انها اكثر من عامل تحد للمؤسسة العسكرية!
كما جاء اغتيال النقيب – الرائد وسام عيد بوسائل التفجير اياها، وكأن المقصود تكرارا هو مؤسسة قوى الامن الداخلي، وللدلالة الاكيدة على ان الدولة التي ظلت واقفة جراء تماسك قوى الشرعية، قد يختلف امرها في حال شعر الاركان العسكريون انهم في خطر(…) او ان عليهم الابتعاد عن كل ما من شأنه التأثير في مخطط ذبح البلد رئاسة ومؤسسات!
والذين يستغربون، مثلا، كيف تعرضت قافلة سيارات تابعة للسفارة الاميركية قبل ايام قليلة للتفجير في محلة الكرنتينا، لا بد وانهم يتناسون ما حصل قبل التفجير. وهذه الخشية واردة حتما «لان اغتيال الضابط في فرع المعلومات سيتحول الى ذكرى شبيهة باغتيال مدير غرفة العمليات في الجيش». اي ان الامور لن تقاس بما يمكن التحسب منه، خصوصا ان هناك من يتهم ويهدد، وربما ينفذ تهديده، ولا يجد من يحاسبه.
في السياسة، لا يجد المهددون والمتوعدون حرجا في القول انه في حال لم تشارك المعارضة في السلطة «فان البلد سيتجه الى مزيد من القتل والدمار». وفي الامن ليس من يعطي اهمية لحركة الغرباء التي تصر قلة قليلة على وضعها قيد التعاطي السياسي والامني. وهيهات ان يتذكر اي مسؤول في السياسة وفي الامن حقيقة مفهوم ومفعول رقم غير اللبنانيين في البلد.
قديما كان يقول شاعرنا العظيم سعيد عقل «ان البلد الذي يتجاوز عدد الغرباء فيه 5.4 في المئة لا بد وان يكون في خطر الانزلاق الامني».
اما وقد بلغ عدد من لا علاقة لهم بلبنان على ارض لبنان اكثر من 6.37 في المئة، فمعنى ذلك «ان الانزلاق لم يعد يقتصر على الامن وحده، بل تعداه الى السياسة والقضاء والاقتصاد ولقمة العيش»، الامر الذي يعني في مثل الحال السائدة اليوم ان كل ما حصل ويحصل هو من المتوقعات على مدار الساعة.
قد يكون من الصعب على اي جهاز عسكري امني وقضائي – عدلي معرفة ما جرى في السابق وحقيقة ما قد يطرأ مستقبلا، في حال لم يقدر اي مسؤول جدي ان يستوعب الارقام التي سبقت الاشارة اليها، من دون ان يعني ذلك استمرار هذا الفلتان الغريب الذي بلغ حد توقع حصول جريمة كل لحظة في رابعة النهار من دون ان يعرف مرتكبها، وما اذا كان في نية المسؤولين والمعنيين اعادة الاعتبار لـ «الاوراق الثبوتية» و «للمراقبة الثبوتية»!!