#dfp #adsense

سقوط الحلقة العونيّة مسيحياً يجعل المخطّط السوري حرباً “طائفيّة صافية”

حجم الخط

أحداثُ الفوضى المتنقّلة في كلّ المناطق في ظلّ التحوّلات المسيحيّة الكبيرة خلال عام و”إنهيار” الاختراق الحزب اللّهي

سقوط الحلقة العونيّة مسيحياً يجعل المخطّط السوري حرباً “طائفيّة صافية” 
نصير الأسعد

 

في إطار المخطّط السوري المتوالي فصولاً منذ خريف العام 2006 للإنقضاض على لبنان والسلطة فيه، تبدو “الحلقة” المسيحية من هذا المخطّط الأكثر تعطّلاً اليوم.


الكنيسة من تدوير الزوايا إلى التصلّب
للدلالة على ذلك، يكفي إستعراضُ ما كان عليه الوضع المسيحيّ في مثل هذه الأيام قبل عام، بل ما كان عليه إلى وقت متأخّر من العام 2007.


خلال العام 2007، وحتّى حصول الفراغ الرئاسي نهاية تشرين الثاني الماضي، إعتمدت الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير، ما يمكن تسميتُه أسلوب تدوير الزوايا، وتبنّت نوعاً من “المعادلات التوفيقية”. بطبيعة الحال، لم تدوّر الكنيسة الزوايا في المسائل أو الثوابت الوطنية. لكنّها في ما يتّصل ببعض عناوين الصراع اللبناني، “راعت” المعطيات في الدائرة المسيحيّة. وتجلّى ذلك أكثر ما تجلّى في الموقف من الإنتخابات الرئاسية. فإذ اعتبرت الكنيسةُ انّ حضور النوّاب جلسة إنتخاب الرئيس “واجب وطنيّ”، رأت في الوقت نفسه انّ النصاب القانونيّ يتشكّل من ثلثي النوّاب.
هذا “المثالُ” المأخوذ مِن مواقف الكنيسة المارونية والبطريرك على رأسها، يهدف إلى الدلالة على “الصياغة المتوازنة” للموقف من مسألة محدّدة كان بشأنها رأيان مسيحيّان. أخذت الكنيسة “الرأيين” في الإعتبار لتصوغ بينهما رأياً ثالثاً، أي أنّها حرصت على التوازن بين “معطيين” مسيحيين: المعطى الـ14 آذاريّ والمعطى العوني.


غير انّ متابعة مواقف الكنيسة والبطريرك بعد 24 تشرين الثاني الماضي، تاريخ وقوع الفراغ في سدّة الرئاسة، تسمحُ بإستنتاج انّهما ـ الكنيسة والبطريرك ـ تصلّبا. والتصلّب هنا ناجم عن حدوث الفراغ أولاً، وناجمٌ عن الشعور بالخطر الذي يتهدّد الموقع المسيحي في الشراكة الوطنية ويتهدّد الصيغة اللبنانية عموماً ثانياً، وهو ناتجٌ عن إقتناع بانّ هذا الفراغ جزء من المخطط السوري الذي ينخرط فيه لبنانيون، ومسيحيون بنوع خاص، ثالثاً وأساساً. تصلّبت الكنيسة، والبطريرك على رأسها، وراحا يسمّيان “الأشياء” بأسمائها: المخطّط والمشاركون فيه، التعطيل والمعطّلون، إلخ..


أمّا الحملةُ التي شنّها “مسيحيّو سوريّا” وفي مقدمهم محور الجنرال ميشال عون والنائب السابق سليمان فرنجية، في الفترة الأخيرة، فهي تعكسُ الحشرة من مواقف بكركي من جهة وكانت تهدف إلى منعها من مواصلة حشر الحلقة المسيحية من المخطّط السوري من جهة ثانية، لكنّ النتيجة جاءت مختلفة تماماً: كنيسةٌ أكثر تماسكاً وتصلباً، وبطريرك أكثر تصميماً على المضيّ في معركة الإستقلال لإنجازها.


جعجع من “التحييد” إلى النبرة المرتفعة


الخلاصةُ السابقة بشأن الكنيسة والبطريرك تؤشّر إلى متحوّل رئيسي أول على الصعيد المسيحي.
غير أنّ هذا المتحوّل ليس الوحيد مسيحياً. وثمّة “مثالٌ” ثانٍ من “العلاقة” بين “القوات اللبنانية” و”التيار العوني”.
مساء الثلاثاء الأسود في 23 كانون الثاني 2007، وفي معرض تقويمه لما حصل ذلك اليوم في “المناطق المسيحية” من إعتداءات لـ”المعارضة” على النظام العام وعلى حقوق الناس وممتلكاتهم، كشف رئيس الهيئة التنفيذية في “القوات” سمير جعجع انّ اتفاقاً غير معلن كان تمّ التوصّل إليه بين “القوّات” و”التيار” على “تحييد المناطق المسيحية” عن تحرّك “المعارضة”، وانّ “التيار” بممارساته في ذلك اليوم نسف الاتفاق

.
طبعاً، إنّ ما يهمّ قوله اليوم، هو انّ “القوات اللبنانية” عندما عقدت ذلك الاتفاق غير المعلن على “تحييد المناطق المسيحية”، انّما كانت تتحسّب لـ”التأثير العوني” في المناطق المسيحية وتعتبر انّ الاصطدام المباشر به ذو كلفة باهظة على المسيحيين. وبهذا المعنى فانّ “إتفاق التحييد” آنذاك كان إستيعابياً وإستدراكياً.


غنيّ عن القول إنّ “القوّات اللبنانية” حريصة في كلّ الأوقات على الهدوء في المناطق المسيحية، وعلى عدم ترك المجال أمام الإستفزازات “المعارِضة” كي تأخذ طريقها إلى “الأرض”. غير انّ “الوجه الآخر” من المسألة هو انّ تقدير “القوّات” لمدى “التأثير العوني” لم يعُد هو نفسه كما كان قبل عام. ولذلك فانّ نبرة “الخطاب القوّاتي” ارتفعت لتؤكّد بوضوح انّ المسيحيين ليسوا حياديين حيال المؤامرة على لبنان وانّ المناطق المسيحية لن تكون مسرحاً لإسقاط الصيغة والنظام في لبنان.


الجميّل من “الحوار” إلى التشدّد
و”مثالٌ” ثالث: الرئيس أمين الجميّل.
إرتفع الرئيس الجميّل فوق جراحه عدّة مرّات.


بعيد إغتيال نجله الشهيد بيار، دخل في حوار مع “حزب الله” وأمينه العام السيّد حسن نصرالله. كان الرئيس الأعلى لـ”الكتائب” يعتقد انّه يمكن لدماء الشهيد أن تشكّل “جسراً” بين اللبنانيين نحو تسوية حقيقية للأزمة.
وبُعيد إغتيال رفيقه النائب الشهيد انطوان غانم، دخل في حوار مع الرئيس نبيه برّي وكان الموعد الدستوري للإستحقاق الرئاسي يدقّ الأبواب. وكان الجميّل يعتقد مرّة أخرى انّ دماء الشهيد يمكن أن تشكّل جسر عبور إلى الإستحقاق.
كذلك، دخل في حوار مع الجنرال علّه يصل به إلى صحوة ضمير.


ومَن يتابع مواقف الرئيس الجميّل في الآونة الأخيرة، لا يتأخّر في إستنتاج انّه تشدّد. قطعَ الأمل من عون و”المعارضة”. وأدرك انّ الخطاب المسيحي الحاسم هو العازل الحقيقي لتأثير “مسيحيي بشار الأسد” في المناطق المسيحية.


سقوط الحلقة العونية


ثلاثةُ أمثلة تُظهر انّ الوضع المسيحي اليوم مختلفٌ جذريّاً عمّا كان عليه قبل عام. تصلّب الكنيسة وتماسكها، ثقةُ مسيحيي 14 آذار بما يطرحون تيارات حزبية وشخصيات مستقلة، تراجع “المدّ العوني” كما تجلّى في نتائج الإنتخابات الفرعية في المتن.. كلّها مؤشّرات إلى انّ “الحلقة” المسيحية العونية من المخطّط السوري ساقطة فعلياً.
إنّ سقوط هذه “الحلقة”، هو بداية سقوط المخطّط السوري ككلّ.


أثناء كتابة هذه السطور، كانت “الأحداث” تتطوّر في منطقة مار مخايل في ضاحية بيروت. وفي هذه “الأحداث” انّ “المعارضة الشيعية” أي “حزب الله” و”أمل”، تواجه الجيش، وتنتشر بالصلاح ضدّ الجيش، وتحاول إحياء خطّ التماس القديم بين الشيّاح وعين الرمّانة.


..سوريّا و”المعارضة الشيعية” تدقان أبواب الحرب


ذلك يعني في جملة ما يعنيه انّ المخطّط السوري فقد خطوط التماس داخل المناطق المسيحية، وأن لا امتداد مسيحياً يعتدّ به للتحالف السوري ـ الإيراني. والمخطّط الذي ابتدأ مموّهاً قبل عام بفعل التغطية العونية، يواجه اليوم “حقيقته” أي انّه مشروع حرب أهلية “يردّ” بها عزلته لبنانياً وعربياً ودولياً.


أحداث مار مخايل ـ الشيّاح ـ عين الرمانة ـ طريق المطار ـ مارالياس أمس، تعني انّ “المعارضة” أفلست بفقدانها “الكشاتبين” و”الكشتبان العوني” بالدرجة الأولى.


انّها حرب “تشنّها قوى التمثيل الشيعي على لبنان. هي ليست حرباً شيعية ولا شأن للشيعة كطائفة بها. انّها حرب بأمرة “سلاح حزب الله”. لكنّها “تبدأ” و”نهايتها منها وفيها”، لأنّها لا “تحاكي” مصلحة أي لبناني، بل تؤسّس لسقوط “حزب الله” في “المستنقع”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل