حافة الهاوية
التعبير الذي توسل الطابع المطلبي زوراً كاد أن يعيد مشهد حادث بوسطة عين الرمانة في العام 1975 الذي استولد حرباً طائفية دامت أكثر من خمس عشرة سنة ذهب ضحيتها مئات آلاف القتلى والجرحى، وكادت ان تحوّل لبنان الواحد النموذجي من هذه المنطقة الى عدة لبنانات متناحرة غير قابلة للحياة، لو لم يلهم الله الدول العربية والرعاية الخارجية وتجمع القيادات اللبنانية في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية ويتوصلون بعد مد وجزر استغرقا اكثر من شهر الى اتفاق في ما بينهم أطلق عليه اتفاق الطائف، أدى الى ايقاف الحرب الأهلية واطلاق نظام يحقق المشاركة والتوازن بين الطوائف اللبنانية ويشكل أساساً لاطلاق حركة وعي سياسي يؤدي الى الغاء الطائفية السياسية بوصفها تشكل حالة مرضية تهدد هذا البلد بحرب أهلية أو طائفية كل عشر أو خمس عشرة سنة·
والمشهد التعبيري المتنقل الذي عاش اللبنانيون فصوله ليلة أمس الأول، لا يؤشر في أي شكل من الأشكال على ان التحرك هو مطلبي، فلا الاستعدادات التي ظهرت في مار مخايل، وفي شوارع العاصمة وعلى طريق المطار، ولا الشعارات التي رفعها المتظاهرون او المحتجون أو المشاغبون وفق التعبير الدارج تدل على ان الحركة عفوية ومحدودة الأهداف والنتائج بقدر ما تؤشر على انها واحدة من سلسلة تحركات وأعمال شغب لاغراق البلد في الفوضى ودفعه الى المجهول استجابة للتهديدات التي دأبت قيادات المعارضة على اطلاقها في حال فشلت المبادرة العربية أو جاءت قرارات وزراء الخارجية العرب لا تخدم توجهات هذه المعارضة في وضع اليد على السلطة من خلال التحكم بالقرار·
وأي مواطن عادي اذا سئل عن معنى التهديد بالنزول الى الشارع يجيبك بأنه اعلان حرب مذهبية او طائفية تدفع بالبلد نحو المجهول نظراً للشحن الطائفي والمذهبي الذي دأب أركان وقيادات المعارضة على الدفع به صباح مساء الى درجة حمل قوى الرابع عشر من آذار على اتهام المعارضة بأنها تلعب على حافة الهاوية· وما حصل أمس الأول كان يمكن ان يؤدي حتماً الى فتنة لو لم يكن الجيش اللبناني منتبهاً لها، ويعمل بسرعة على الحؤول دون أن تقع بصرف النظر عن الانتقادات العنيفة التي ساقها البعض ضد المؤسسة العسكرية الواعية لمسؤولياتها الوطنية والتي تستحق التقدير من كل اللبنانيين المخلصين لبلدهم والذين يصلّون ليل نهار لأن يخرج من أزمته بأقل قدر ممكن من الخسارة·
ربما كان صحيحاً ما قيل تعقيباً على ما حدث أمس الأول ان المستهدف الأول كان العماد ميشال سليمان من خلال ضرب المؤسسة العسكرية بتصنيفها الى جانب فريق ضد فريق آخر، ولكن ما حدث على خطوط التماس بين الشياح وعين الرمانة، هو مؤشر خطير جداً ينذر بعواقب وخيمة على البلد ما لم تبادر قيادات المعارضة الى مراجعة حساباتها ووقف سياسة التحريض وتعطيل كل مبادرات التسوية لإبعاد البلد عن حافة الهاوية·