#adsense

ميشال سليمان حمى “بوسطة 2008” ودوره الإنقاذي

حجم الخط

سيناريو حي السلم يتكرر في مار مخايل
ولكن ضوابط الزمن السوري لن تحمي مستغلي عاطفة دماء فقرائهم

ميشال سليمان حمى “بوسطة 2008” ودوره الإنقاذي

فارس خشّان

 

لم يسبق للجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال سليمان أن استعمل بندقيته في الداخل اللبناني لرد “حركة احتجاجية شعبية” سوى مرة واحدة لا غير: كان ذلك في السابع والعشرين من أيار 2004.


في ذاك التاريخ، هجم المتظاهرون في حي السلم على القوى الأمنية، فاستولوا على آلياتها وحاصروها ونزعوا منها أسلحتها، وحين تدخل الجيش اللبناني رشقوه بالحجارة ورفضوا أن يفتحوا الطرق ويعيدوا الى القوى الأمنية ما لها.
يومها كان الجيش أمام خيارين، فإما التراجع وانهيار الدولة وإما إنقاذ نفسه ومعه البلاد، فلجأ الى اعتماد الخيار الثاني.


ولأنه فعل ذلك، قامت القيامة على العماد سليمان من الفريق الذي كان يخلق الأرضية الإقليمية والدولية، لتمديد ولاية أميل لحود، فاتُهم قائد الجيش بأنه يتآمر على سلاح المقاومة وأنه يبعث برسائل اعتماد الى الولايات المتحدة الأميركية.
وهكذا كانت أرواح خمسة فقراء من لبنان في خدمة نظام الوصاية السورية الذي أشعل الحريق ليري الداخل والخارج ماذا يحصل للبنان إن هو رفع قبضته الحديدية عنه.


المرة الثانية التي اضطر فيها الجيش الى استعمال بندقيته في ظرف أهلي مماثل كان يوم الأحد الماضي. سبب ذلك يمكن الدلالة عليه بمقارنة ما حصل في منطقة مار مخايل بما سبق وحصل في حي السلم. الجمهور هو نفسه. الشعار المطلبي هو نفسه. العمق الجغرافي هو نفسه. الخطر الذي يولّده ترك الأمور على غاربها على بوابة عين الرمانة هو أفظع مما كان يمكن أن يولّده استهداف مطار بيروت آنذاك، مطار رفيق الحريري حالياً. القوى السياسية التي ترعى الاضطراب هي نفسها والجمهور، كذلك الظرف السياسي الذي بواسطته توضّبت الرسالة التخريبية العاجلة من النظام السوري و”فريق الشر المستطير”، بأجساد ستة فقراء، الى مجلس وزراء الخارجية العرب.


وبعيداً عن الاستدلال بسابقة أيار 2004 لتحديد سبب لجوء الجيش الى بندقيته في حالة مار مخايل، فإن المنطق يدل من بقي مؤمناً بالمنطق الى أن توسل الجيش اللبناني للنيران كان قراراً اضطرارياً، على اعتبار أنّ أوّل ضحاياه الساسيين، كان المرشح الوفاقي ميشال سليمان، الذي فعل المستحيل على مدى سبعة أيام لتجنب هذه الكأس المرة، فهو تخطّى كل المحاذير الأمنية على اعتباره هدفاً أكيداً للإرهاب المتنقل في لبنان وذهب الى حارة حريك واجتمع بالأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله وطالبه بتهدئة الأرض لأن فلتانها خطر على الجميع، ومن ثم قفز فوق ما ستتركه الخطوة من مشاعر سلبية لدى جزء كبير من اللبنانيين وأجرى اتصالاً بالأسد واستقبل “سفيره في لبنان” نصري خوري، مما أوحى بأنه قد يكون في وارد القيام بزيارة لدمشق في إطار جولة عربية. وحده ميشال عون “فرفح” قلبه، مرة جديدة، لما يحصل في مار مخايل، فحيث وقّع التفاهم مع نصرالله بأفق الوصول الى بعبدا، سقط المرشح المنافس ميشال سليمان.

 

فرحة عون كانت لا توصف، يوم الأحد، وهو يُحصي عدد القتلى الذي يرتفع، إلى درجة أن كمية الأدريالين التي أفرزتها غدده جعلته يشعر أنه عاد ابن سبعة عشر عاماً، وراح يصرخ وسط بهجة المحيطين به، مطالباً بفتح الشمبانيا: انتهى ميشال سليمان، ألم أقل لكم إن بشّار الأسد يحرق مئة ميشال سليمان ولا يرضى أن تُمسّ شعرة واحدة من رأسي.


ومن دون الحاجة الى التكهن، كان كل شيء مرتباً سلفاً، فسليمان فرنجية كان قد حضّر حديثاً “من كعب الدست” ضد قائد الجيش، من دون أن ينسى المرور بالياس المر “عقدته الأزلية” والذي تشير تقارير أمنية واردة من مرجعيات تصفها الأجهزة بعالية الصدقية، أنه في خطر داهم وثمة سيارة مفخّخة تفتش عنه على زاوية لا بد من المرور بها.


ولكن هل احترق ميشال سليمان فعلاً؟


أبداً، تجيب أوساط شريكة في صنع القرار اللبناني، فمن يرفض رئيساً بهذه المواصفات إنما يرفض أن يتعافى لبنان، وتالياً فإن أحداً لن يُجاري من وضعوا أنفسهم في خانة العداء لوطنهم ولشعبهم.


وتقول هذه الأوساط: “نحن وغالبية اللبنانيين نحدّد من احترق ومن لم يحترق، وليس أولئك الذين يتعمّدون أن يحرقوا البلد ويستعملون مواطنيهم المتحمّسين وقوداً”.


وتشير الى أن الذي احترق هو كل من وجّه تهمة الى عين الرمانة، وهو كل من أدخل مجموعة لتفجر قنبلة في عين الرمانة، وهو كل من نظّر لهذه القضية.


بالنسبة إليها، هذا أعطى الجيش اللبناني وقائده ثقة اللبنانيين العزّل به، بعدما كان يُرجى أخذه باسم الفقراء العزّل، ورسم صورة سوداء على وجوه أولئك الذين يعملون من أجل نشوب حرب أهلية في لبنان.
وفي اعتقاد هؤلاء أن الجيش اللبناني حمى “بوسطة العام 2008” من المصير الذي انتهت اليه البلاد بعد إهمال بوسطة العام 1975.


وبهذا عزّز العماد سليمان حضوره في الضمير الوطني بعدما انسحب منه الراقصون عراة ـ ولو معمّمين ـ على إيقاع طبول الحرب الأهلية.

 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل