قطوع على مداه ؟!
راجح الخوري
نعم، ليكن التحقيق في الاحداث الدموية المؤلمة التي شهدها لبنان يوم الاحد الماضي “سريعاً وغير متسرّع” تماماً كما قال الرئيس نبيه بري.
نعم، ليكن سريعاً بحيث تتوقف عمليات الحقن والتأجيج التي يمكن وسط الاجواء الحالية، وبعدما بلغ الاحتقان فيها ذروة تثير ذعر اللبنانيين ومخاوف كل الدول المهتمة بلبنان، ان تدفع بهذا البلد الى الانزلاق دفعة واحدة الى المآسي والجنون والحروب الاهلية، وهو امر استيقظت كل كوابيسه قبل يومين عبر الاستعادة البغيضة لذكريات طالما شكلت عنواناً لعار حروبنا القريبة على محاور الشياح – عين الرمانة.
وليكن التحقيق غير متسرع، لأن المطلوب هو ايراد ابجدية الحقائق والوقائع التي حصلت بكل موضوعية وشفافية وصدق، وبما يساعد عملياً في تجاوز “القطوع المفتوح على مداه”، والذي يجب ان نخرج منه في اقرب وقت كي لا يصبح لبنان كله بطوائفه ومناطقه مجرد كمية اضافية من الاطارات نحرقها في المتاريس وعند خطوط التماس !
وليكن غير متسرع لأن هناك من يستسقي الفتنة ويستمطر المآسي والكوارث التي تلوح في الافق، من خلال ايحاءات الغاية منها جعل نيران “الاحد الاسود” تنجح هذه المرة في دفع اللبنانيين الى أتون الحرائق المتصلة من الناقورة الى النهر الكبير لا سمح الله.
ومن الآن حتى انتهاء التحقيق يتوجب على القادة والمسؤولين المتصارعين في السياسة، كما في الخلاف العميق على هوية لبنان، ان يتذكروا درساً ما انفك التاريخ يحاول ان يعلمنا اياه ونحن لا نتعلم او نستخلص الدروس، وهو ان هذا البلد يمكن ان يتمزق عن بكرة ابيه، كما يقال، وقد سبق له ان تمزق على مدى عقدين من الزمن اخيراً، ولكنه بلد لا يتسع لمنتصرين ومهزومين.
واللبنانيون رغم كل الجنون الذي يجرفهم في اتجاهات متناقضة ومتعارضة الى درجة العداء والكراهية والضغائن والاحقاد، وكلها ويا للمرارة من حواضر الواقع الراهن الاكثر بشاعة، اللبنانيون هؤلاء التعساء لن يكونوا في نهاية المطاف إلا منتصرين جميعاً بالحكمة والهدوء والعقل والتواضع وخصوصاً التواضع، او منهزمين جميعاً بجنون الاندفاع من الانقسام والشحن والضغائن الى الاقتتال واشعال النار في اذيال هذا الوطن المتعوس، والواضح حتى الآن انهم يقرعون ابواب العصفورية.
وفي انتظار نتائج التحقيق على الجميع ان يتذكروا:
? أولاً: ان لبنان بلد يتخبط في حال مأسوية من الازمات المعيشية والاقتصادية التي يمكن اي فريق ان يقيم فوقها جبالاً من العناوين المطلبية. ولا شك في ان ابناء الضاحية الجنوبية يعرفون تماماً ان حالهم في الكهرباء مثل حال ابناء الضاحية الشرقية. اما اذا ذهبنا شمالاً او جنوباً او بقاعاً وفي قلب المتن وكسروان، وحتى على بعد 100 متر من مؤسسة الكهرباء، فإن الوضع قد يكون اسوأ ربما لان ثمة يأساً او اقتناعاً عند الكثيرين في هذه المناطق بأن التظاهر وقطع الطرقات بالاطارات المحترقة لا يحل المشكلة بل يعقدها.
? أولاً: ان لبنان بلد يتخبط في حال مأسوية من الازمات المعيشية والاقتصادية التي يمكن اي فريق ان يقيم فوقها جبالاً من العناوين المطلبية. ولا شك في ان ابناء الضاحية الجنوبية يعرفون تماماً ان حالهم في الكهرباء مثل حال ابناء الضاحية الشرقية. اما اذا ذهبنا شمالاً او جنوباً او بقاعاً وفي قلب المتن وكسروان، وحتى على بعد 100 متر من مؤسسة الكهرباء، فإن الوضع قد يكون اسوأ ربما لان ثمة يأساً او اقتناعاً عند الكثيرين في هذه المناطق بأن التظاهر وقطع الطرقات بالاطارات المحترقة لا يحل المشكلة بل يعقدها.
وعلى هذا الاساس فإن التظاهرات في بلد تتعطل فيه مؤسسات الدولة ومواقع المسؤولية، وكان قد راوح في الحروب عقدين من الزمن وكذلك في التراجع الاقتصادي والانمائي، هذه التظاهرات لا يمكن ان تحل مشكلة مطلبية بمقدار ما يمكنها ان تخلق مشكلة سياسية، ولا حاجة الى شرح الواقع السياسي المأسوي الراهن في البلاد.
? ثانياً: تماما كما قال النائب سعد الحريري عندما تعمّد اول من امس تذكير كل الافرقاء بأن “الدولة في النهاية هي للجميع وليست لفئة دون اخرى، وحماية الدولة ومؤسساتها واجهزتها واحترام قوانينها واجب على كل مواطن”. لا بل ان الامر يتعدى حدود الواجب الى ضمان بقاء السقف الذي يستظله كل اللبنانيين من دون استثناء، لان البديل من الدولة هو الفوضى ولأن الفوضى هي بوابة لبنان ليس الى سقوط الدولة فحسب بل الى انهيار لبنان وهو ما يشكل وبالاً على كل اللبنانيين من دون استثناء.
في ضوء هذه الحقيقة لم يغال الحريري عندما قال إن حوادث الاحد التي “تستدعي الاسف والالم لسقوط ضحايا من اهلنا واخوتنا في الضاحية والجنوب، وهو ما اصاب اللبنانيين بالمرارة والحزن بازاء المأساة”، هذه الحوادث “تكشف مجدداً عن عدم جدوى الاستخدام العشوائي للشارع وزج المواطنين في أتون تحركات لا يمكن ان تؤدي الى غير المزيد من تأجيج النفوس”.
? ثالثاً: وهو الاهم، ان الاستمرار في المراوحة داخل الازمة السياسية المتفاقمة لا يسبب الاحتقان الذي يمكن ان يولد من الاحداث والصدامات المؤلمة جداً، بل انه يضاعف من مقدار اليأس المتعاظم على مستويين:
على المستوى الداخلي حيث يقع اللبنانيون في القنوط والاحباط وهو ما يفرغ لبنان من طاقاته البشرية والاستثمارية بما يؤسس لتوسيع هامش الازمة الاقتصادية والمعيشية والخدماتية،
وعلى المستوى الخارجي حيث تسير الدول العربية الآن على خطى الفرنسيين مثلاً في اليأس من امكان اقناع اللبنانيين بالاتفاق على حل يعيدهم الى مائدة الحوار للبحث في حل نهائي لأزمة وطنهم القاتلة.
واذا كان الصراخ المتعالي من القاهرة الى الرياض الى باريس فإلى كل عواصم الدنيا يحث اللبنانيين الآن على المسارعة لانتخاب رئيس للجمهورية بما يفتح الابواب على كل الحلول، فإن هناك من لا يتردد في القول ان الاصوات التي سبق ان ارتفعت ضد العماد ميشال سليمان لنزع صيغة الاجماع عليه كرئيس للجمهورية ستجد الآن، في ضوء الاحداث الاليمة التي حصلت يوم الاحد، ذخيرة اضافية للتحامل عليه وحرقه، وهو ما يعيدنا الى نقطة الصفر حيث لا نجد اتفاقاً او اجماعاً على شيء بما يؤدي تلقائياً الى نسف المبادرة العربية من اساسها !
? رابعاً: ربما بناء على كل ما سبق تعمّد السفير السعودي د. عبد العزيز خوجه امس ان يستفيض في ما كان قد اعلنه مجلس الوزراء الذي ترأسه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله اول من امس حيث دعا اللبنانيين وكل الدول التي يهمها استقرار لبنان وامنه الى “التزام المبادرة العربية وبذل الجهود لتنفيذها بدءاً بانتخاب رئيس جديد”.
فقد اعلن خوجه ان عمرو موسى سيأتي بالتأكيد ويلتقي كل الاطراف، وان المهم والشيء الاساسي هو انتخاب العماد ميشال سليمان الرئيس التوافقي والمتفق عليه من الجميع وذلك في اقرب وقت ممكن.
واذا كان قد وضع كلامه في باب نصيحة المملكة للبنانيين، فإنه حرص على التذكير بأن اي تأخير في انتخاب الرئيس يعرّض لبنان الى مزيد من الاخطار “سياسياً وامنياً وكل شيء، لأن البلد من دون رئيس”.
ولا ندري كيف يمكن ان يتعالى اللبنانيون على كل خلافاتهم ويقوموا بانتخاب من توافقوا عليه رئيساً يفتح الابواب امام الحل الشامل. قد يكون “الاتفاق سهل جداً والاشياء التي تحصل لا مبرر لها” كما يقول السفير خوجه، ولكن هناك من يسهم فعلاً في جعل الاتفاق بين اللبنانيين صعباً وربما مستحيلاً. وهو ما يعيدنا الى اهمية تذكير سعد الحريري بأن الدولة هي لكل اللبنانيين وسقوطها يجعلهم جميعاً في العراءّ !