#adsense

الحرب على سليمان

حجم الخط

الحرب على سليمان

ربيع يعقوب


لغاية الأمس كانت أطياف 8 آذار متقاطعة ولكل منها أسبابها، تبحث عن مبررات قوية تمكنها من إعلان عدم أهلية العماد سليمان لرئاسة الجمهورية بصفته التوافقية. وبرزت رغبة 8 آذار هذه في مؤشرات عديدة الأسبوع الماضي. منها ما ورد على لسان سليمان فرنجية: “العماد سليمان لا يمثل ضمانة لأنه لا يضمن لنا الثلث الضامن – نحن لا نثق بالعماد سليمان نريد 11 وزيراً “. ومنها ما ورد في مقالة المسؤول العوني أنطون الخوري حرب، في جريدة الأخبار التي تحدث فيها عن اجتماع مزعوم في لندن بين العماد سليمان والحريري ومسؤول أميركي كبير جرى فيه كلام عن تعهدات وتفاهمات.


 ولغاية الأمس لم تكن 8 آذار قد وجدت وسيلة سياسية تطعن من خلالها بوفاقية قائد الجيش. فقررت أو قرر طرف منها نظراً لدقة المسألة اعتماد وسيلة غير سياسية كانت قد اطلت برأسها قبل حين، لكن من دون جرعات إضافية كما حصل أول من أمس.


 والجرعات الإضافية الأمنية هذه الى جانب أنها أتت لإيصال صدى الى وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم لتخرج المقررات كما خرجت عليه، قد تكون أتت ردّاً على ما آلت إليه نتيجة اتصال قائد الجيش بالرئيس السوري، خصوصاً أن توقيت الأحداث الأمنية جاء بعد يوم واحد من هذا الإتصال. وما يقرن الشك باليقين في هذا الموضوع هو العتب السوري على قائد الجيش كونه لم يقدم الضمانات الكافية ل 8 آذار، والذي تسرب عن اجتماع وزراء الخارجية العرب.


 العماد سليمان الذي أثبت قبل دخوله معترك السياسة أنه لن يدخلها من باب الزبائنية السياسية، ولا من باب الولاء لغير الدولة، والذي أثبت أيضاً عبر التجارب ابتداءاً من 14 آذار 2005 مروراً ب 23/25 كانون الثاني 2007 وصولاً الى أحداث أول من أمس، أنه من المستحيل ترويضه من قبل أي من الأفرقاء. أصبحت وفاقيته عبئاً على حزب الله وسوريا ومعهم مشتهي الفخامة كونه بيّن من خلال سلوكه العام أن مفهومه للوفاق مختلف عمّا يراد للوفاق أن يكون من قبل حزب الله. فهو كما نعتقد لا يرى نفسه جالساً على كرسي الرئاسة يتفرج على أطراف الصراع يتناتشون الدولة فيقسم لهم الحصص ليكون وفاقياً. بل يرى أن وفاقيته تكون بألا يقدم مصالح أي من طرفي الصراع على الطرف الآخر بل أن يقدم مصلحة الدولة على الطرفين معاً. وهنا ربما تبدأ مشكلة حزب الله وسوريا معه، وتجعلهما يفضلان إما أن تسقط ورقة ترشيحه فيُستبدل بوفاقي مطواع يقدم كل الضمانات لحزب الله وسوريا كما فعل ميشيل إدّه، فلا يعود وفاقياً من وجهة نظر 14 آذار. فيسقط التوافق بالمطلق ويستمر الفراغ  الى أن تسقط شرعية الدولة، وإما أن تنتخب 14 آذار رئيساً بالنصف زائد واحد ليستطيع حزب الله التملص من الإعتراف بشرعية الرئيس وبالتالي بشرعية الدولة فينتفي وجود الدولة اللبنانية بالنسبة له، لأن الدولة عمادها المؤسسات (هو لا يعترف أصلاً بشرعية الحكومة ولا بشرعية النواب، وبدأ التشكيك بشرعية الجيش من خلال البدء باتهامه بالإنحياز). فينتقل من مرحلة كونه  دولة داخل الدولة كما أقرّ حسن نصر الله بنفسه الى مرحلة أخطر هي مرحلة تمدد الدولة (أي دولة حزب الله) الى حيث يوجد حدود لدولة.(اي حدود سوريا)


 هذه الدولة سيكون على رأسها أناس صُوَريون يكونون بمثابة قناع لدولة حزب الله المتمددة، فلا تعلن الدولة الإسلامية في المرحلة الأولى، ثم ينتقلون الى تطبيقات دولتهم  بعد أن يحصنوا أنفسهم  في المناطق الجديدة، تماماً كما حصل مع الثورة الإيرانية التي شهدت تحولات عديدة بعد سنتين من وصولها الى السلطة.


 هذه الرؤيا وهذا الفهم الواضح لشبق حزب الله هما اللذان جعلا قوى 14 آذار ترى أن مصلحة الدولة تحتم أن يأتي رئيس وفاقي يعترف حزب الله بشرعيته. فعدلت عن انتخاب رئيس بنصاب النصف زائد واحد القانوني لتفوّت على حزب الله فرصة التنصل من مفهوم  الدولة، وجنحت الى وفاقية سليمان واستقلاليته. فإن أخذت الدولة حقها معه تكون 14 آذار قد أخذت حقها وهي التي لا تريد شيئاً لنفسها (لا شك أن تصوّر سليمان للدولة هو السبب الرئيس والوحيد لقبول 14 آذار بسليمان وكل ما يُروّج عدا ذلك ليس صحيحاً). وعلى العكس من ذلك فحزب الله يعتبر أنه إن أخذت الدولة حقها فسيكون على حساب دولته التي تصادر الكثير من حقوق الدولة.


 على هذا الأساس بدأ حزب الله أول من أمس بشن حربه على وفاقية سليمان عبر تعريضه للتجارب الأمنية واتهامه بالإنحياز. وهذا تجلى في حديث علي عمار نائب حزب الله للمنار الذي تهجم على قائد الجيش دون ان يسميه إذ قال:” أن دماء أهل الضاحية ليست صالحة لتكون معبر الى رئاسة الجمهورية”، معتبراً أن الجيش أقام استعراضات عسكرية في الضاحية. هذا ما وافقته عليه نشرة نيو تي في التي اعتبرت أنه استعراض أراده الجيش ضد حزب الله ليراه بوش على الفضائيات فيتأكد من مواقف الجيش الجديدة!!! .


 وإذا كان حزب الله لا يريد جيشاً لبنانياً قوياً بل جيشاً رديفاً لجيشه يقوم بنشاطات كشفية لا عسكرية كون الوطن الواحد لا يحتمل جيشين.


 وإذا كان حزب الله لا يريد العماد سليمان رئيساً كون طموحاته للدولة تتعارض مع طموحات حزب الله لدولته الإسلامية، فإن مصلحة عون في استبعاد قائد الجيش قد لا تكون مفهومة بالنسبة للبعض قبل قراءة الأسباب الآتية:


1- صار من المعلوم أن فريقا من نواب تكتل عون سيسعى لتشكيل كتلة نيابية للعماد سليمان في حال انتخابه وبالتالي فإن عدداً لا يُستهان به من نواب تكتل الإصلاح والتغيير سيغادر هذا التكتل فور انتخاب سليمان، الأمر الذي سيُضعف عون وهذا سبب رئيس لرغبته باستبعاده.


2- خوف عون من أن تكون فئة كبرى جديدة من مناصريه على وشك أن تتخلى عنه لمصلحة العماد سليمان في حال انتخابه، لأن هذه الفئة لم تكن ترى في عون المرتدي للبزة العسكرية إلا الرجل الذي يريد بناء الدولة. وعندما سقط قناع عون وسمحت الظروف لسليمان بإبراز صفاته من قيادة وبطولة ورغبة بإعلاء شأن الدولة، صار من السهل انتقال هؤلاء الى تأييد سليمان. لذلك يسعى عون الى إبعاده عن الحياة السياسية لإطفاء شعلته ووقف تعلق مؤيديه به، لاسيما أن استطلاعات الرأي باتت تؤكد تفوق سليمان على عون بأشواط  كبيرة شعبياً.


3- شخصية عون النرجسية التي لا ترى إلا في نفسها خلاصاً للوطن والبشر.

 

لا ريب إذا تمسكت 14 آذار بترشيح سليمان الى هذا الحد رغم أنه لا ينتمي إليها. فالصفات التي تتمسك به لأجلها والتي يمكن إجمالها بعبارة “تقدمية الدولة” يجب أن يتمسك الجميع به لأجلها. والأطراف التي لا تقتنع بتقدمية الدولة على ما عداها، لا يمكن أن يكون هدفها الوفاق بل تكون على محك كشف زيفها فتصح عندئذٍ نظرتنا للصراع في لبنان: إن الصراع هو بين منطقين: منطق الثورة التي لا تريد قيام دولة لا تخدم استمرارها وبين منطق الدولة التي لا تريد استمرار ثورة لا تخدم قيامها.  

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل