ما هو الموقف الذي يهدّد موسى باتخاذه إذا استمرت العرقلة ؟
سوريا تعتمد على انقسام العرب وعلى “الفيتو” في مجلس الأمن
سوريا تعتمد على انقسام العرب وعلى “الفيتو” في مجلس الأمن
اميل خوري
السؤال الذي يهتم اللبنانيون بالحصول على جواب قاطع عليه هو: هل يتم انتخاب رئيس للجمهورية في الجلسة المقبلة استجابة لدعوات محلية وعربية ودولية ملحة، بحيث يكون انتخابه خطوة مهمة على طريق خروج لبنان من الازمة، ام ان معرقلي اجراء هذا الانتخاب هم اقوى من جميع اصحاب هذه الدعوات كي يظل باب الازمة مفتوحا على كل الاحتمالات؟
الواقع ان اللبنانيين كانوا يأملون في ان يخرج وزراء الخارجية العرب من اجتماعهم الاخير في القاهرة بقرارات حاسمة تضمن انتخاب رئيس للجمهورية كانجاز مهم يحققونه لا ان تفسر المبادرة العربية التي صدرت عن اجتماعهم السابق كمن يفسر الماء بعد جهد بالماء… لئلا يثير التفسير الواضح خلافا بين الدول العربية فيصبح وضعها مثل وضع اللبنانيين المختلفين حول الحلول المطروحة لأزمتهم، وفي حاجة الى من يصالحها… لقد كان مطلوبا من الوزراء العرب ان يقرروا فصل موضوع انتخاب رئيس الجمهورية عن موضوع الاتفاق المسبق على تشكيل حكومة وحدة وطنية وعدم ربطهما، لان من يريد عرقلة اجراء هذا الانتخاب يتخذ من تشكيل الحكومة ذريعة ويضع الشروط التعجيزية التي تحول دون التوصل الى اتفاق على تشكيلها، فيتعرقل تاليا انتخاب الرئيس… وكان اصرار سوريا على رفض تجزئة تنفيذ بنود المبادرة العربية وجعل هذا التنفيذ شاملا كل بنودها سببا حال دون الفصل بين الموضوعين.
اما وقد نجحت سوريا في الحصول على ما تريد كي يحول استمرار الخلاف على تشكيل حكومة وحدة وطنية دون التوصل الى انتخاب رئيس الجمهورية، فانه كان على الوزراء العرب ان يحسموا الخلاف على نسب تمثيل الموالاة والمعارضة في هذه الحكومة لا ان يبقى ذلك خاضعا لمشاورات عبثية تجرى مع الاطراف اللبنانيين للاتفاق على تشكيل الحكومة وتكليف الامين العام للجامعة عمرو موسى مجددا معالجة الخلاف على نسبة التمثيل ودعم جهوده في المساعدة على الوصول الى حل توافقي في ما بين هؤلاء الاطراف. فترك هذه الورقة في يدهم قد يحول دون توصلهم الى اتفاق خصوصا ان سوريا التي تدير اللعبة وتحرك حلفاءها في المعارضة في الاتجاه الذي تريد، وتفضل استمرار الفراغ الرئاسي على انتخاب الرئيس، لن تجعل الاطراف اللبنانيين يتوصلون الى اتفاق على نسب التمثيل في الحكومة، فبعدما كانت المعارضة تصر بايعاز سوري على ان يكون لها في الحكومة “الثلث المعطل” لانها تعلم ان الموالاة سوف تصر على رفض ذلك، اذ ان هذا “الثلث” يجعل المعارضة تتحكم، ليس بقرارات الحكومة فحسب، بل بمصيرها، وبمصير عقد جلسات مجلس الوزراء. اذ تعطل بغياب وزرائها عقد كل جلسة اذا كان على جدول اعمالها مواضيع غير مقبولة منها، فانها طرحت “المثالثة” في توزيع الوزراء بديلا من “الثلث المعطل” او الصوت الوازن الذي اتفق على ان يكون لرئيس الجمهورية. فاذا كانت سوريا لا تزال تفضل استمرار الفراغ الرئاسي على انتخاب رئيس للجمهورية، فانها ستظل تصر على “المثالثة” في توزيع الوزراء معتمدة على رفض الموالاة ذلك، فيستمر عندئذ الفراغ الذي تريد سوريا استمراره لغايات شتى، وهو ما كانت قد فعلته عندما اصرت عبر حلفائها في المعارضة على رفض اي مرشح للرئاسة الاولى من قوى 14 آذار وهددت بالويل والثبور وعظائم الامور اذا صار انتخاب هذا المرشح بنصف زائد واحد.
وامعانا منها في المماطلة والتسويف والاستمرار في عرقلة اجراء الانتخابات الرئاسية اوحت لوزير خارجية فرنسا برنار كوشنير انها تقبل باسم اي مرشح من المرشحين الذين يسميهم البطريرك الكاردينال صفير وعندما اقنع الوزير الفرنسي البطريرك بوضع لائحة باسماء المرشحين من اجل التوصل الى انتخاب مرشح منهم رئيسا للجمهورية، تبيّن ان سوريا خدعت الوزير الفرنسي كي تسيئ الى مقام البطريركية المارونية وهيبته من خلال عرقلة التوصل الى اتفاق على اي من هؤلاء المرشحين. وعندما صار اجماع على ان يكون قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية باعتباره توافقيا بامتياز، ربطت انتخابه بالاتفاق مسبقا على تشكيل حكومة وحدة وطنية، واقترحت “المثالثة” في توزيع الوزراء شرطا لذلك، ثم كانت احداث الشياح الدامية لزج الجيش فيها، حتى اذا ما تصدى لها اعتبر طرفا، واذا تفرج عليها، يكون قد تخلى عن واجباته ومسؤولياته وجعل هذه الاحداث تمتد الى مناطق اخرى، لتكون بداية الفتنة التي طالما صار تهديد اللبنانيين بها، ويصبح تاليا ترشيح العماد سليمان للرئاسة الاولى كمرشح توافقي موضوع بحث…
لذا يرى مسؤول سابق ان لا يضيع الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وقته في اجراء مشاورات مع الاطراف اللبنانيين للاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، ومعالجة نسب التمثيل فيها مع هؤلاء الاطراف، بل عليه ان يتباحث مع المسؤولين السوريين في الموضوع لانهم هم اصل العلة، وهم الذين دافعوا عن موقف حلفائهم في لبنان في اجتماع وزراء الخارجية العرب. فما توافق عليه سوريا يوافق عليه هؤلاء الحلفاء وليس العكس. فاذا تمكن موسى من التوصل الى اتفاق في سوريا على انتخاب رئيس للجمهورية، من دون ربط ذلك بالاتفاق المسبق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، فان سوريا تكشف عندئذ حقيقة موقفها، وهل هي مع ترشيح العماد سليمان للرئاسة الاولى ام لديها مرشح آخر لا يقل ولاءه لها عن الرئيس السابق اميل لحود، ام انها تريد من قبيل الالهاء وإضاعة الوقت، اعادة فتح الباب امام اسماء مرشحين جدد للبحث في اختيار احدهم وإثارة الخلافات حول ذلك… اما اذا ظلت سوريا مصرة على ربط انتخاب رئيس الجمهورية بالاتفاق المسبق على تشكيل الحكومة، فهل يتمكن عمرو موسى من الاتفاق معها على نسب التمثيل فيها بين الموالاة والمعارضة، لانها هي صاحبة اقتراح “المثالثة” بديلا من “الثلث المعطل” لعرقلة الانتخاب. لان القرار هو في دمشق حتى وان كان الحوار في بيروت…
لقد توقفت اوساط سياسية عند تهديد عمرو موسى بانه سيكون له موقف اذا لم يتم انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية في الجلسة المقبلة، وتساءلت ما هو هذا الموقف الذي يجعل سوريا تتوقف عن عرقلة اجراء الانتخابات الرئاسية. هل بتحميلها علنا مسؤولية العرقلة، هل بتهديدها بعدم حضور القمة العربية في دمشق اذا لم يكن قد انتخب رئيس للبنان، هل بخفض التمثيل الديبلوماسي معها او تعليقه؟ هل باتخاذ اجراءات اقتصادية ضدها، هل بتحويل “تعريب” ازمة الاستحقاق الرئاسي الى “تدويل” تتخذ عبره عقوبات ضد سوريا؟
ان هذه المواقف لا تهتم لها سوريا ولا تجعلها ترضخ خصوصا انها واثقة من عدم التوصل الى اتفاق على اتخاذها لا في الجامعة العربية لعدم وجود موقف عربي موحد، ولا في مجلس الامن من حيث “الفيتو” الذي يحميها من اتخاذ اي اجراء ضدها وان ما يهم سوريا هو العودة سياسيا الى لبنان من خلال اقامة حكم يدين لها بالولاء الكامل، ويغير مسار المحكمة ذات الطابع الدولي، وهو ما جعل الرئيس حسني مبارك يحذر من خطورة الوضع في لبنان، وعمرو موسى تخوف من تدهور الاوضاع الامنية فيه اذا استمرت ازمة الاستحقاق الرئاسي، والوزير الفرنسي كوشنير يصف الوضع في لبنان بالخطير جدا، والسفير السعودي في بيروت يدعو الى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية فورا قبل الخطر الداهم.