سيناريو “السفير” الساقط: شتان ما بين 1994 و2008!
ربيع يعقوب
ربيع يعقوب
في 26 آذار 1994 نشرت جريدة السفير في صفحتها الأولى وبسكين محللها السياسي تقريرا سياسيا مفبركا أملته عليه المخابرات السورية فند فيه تفاصيل لمخطط مزعوم أعده الشين بيت (الأمن العام الإسرائيلي)لتفجير كنيسة سيدة النجاة مدعيا أن القوات اللبنانية هي من نفذت هذا المخطط .
على أساس هذا التلفيق- المؤامرة ضربت مؤسسة القوات اللبنانية برمزيتها المسيحية فتم حل حزبها ودخل قائدها السجن ودخل معه المسيحيون الى أكبر سجن عرفه التاريخ طيلة احد عشر عاما .
في 30 كانون الثاني 2008 وفي الجريدة نفسها نشر تقرير سياسي آخر لمحللها السياسي إياه للأهداف نفسها مع تصويب إضافي على مؤسسة أخرى.
في ذلك الوقت كان الهدف إنهاء آخر مؤسسة مسيحية ترمز الى الكيان اللبناني والحفاظ على استقلاله. وفي يومنا هذا، يبدو أن الهدف إنهاء آخر مؤسسة ترمز الى الدولة اللبنانية ووحدتها واستقلالها، وهي مؤسسة الجيش.
فبرغم أن التقرير هذا يتحدث بإبهام معين (نظراً الى طبيعة المؤسسة المعنية)، وعبر تساؤلات كبيرة عن دور معين لجعجع في نقل الفوج الخامس من المتن الى منطقة أخرى (يقصد بها الضاحية- الشياح). إنما الظاهر أن جعجع ليس الهدف بل الجيش.
فبوق المخابرات السورية – الحزب اللهية هذا الذي تحدث عن علاقة سببية بين المناقلات الجزئية والمواجهات الدامية وربط بينها وبين جعجع، أراد من حشر جعجع في حركة المناقلات الإدعاء أن لجعجع تأثير في قيادة الجيش، في محاولة لإسقاط الجيش – في نظرهم- من دوره الوطني على اعتبار أن جعجع بالنسبة اليهم يمثل كل ما هو غير وطني… الى آخر المعزوفة المملة.
فهؤلاء الذين لم يرق لهم إرادة قائد الجيش بالإنفتاح على كل اللبنانيين ليمثل حقاً الوفاق، يبحثون عن سبب لضرب دوره هذا على اعتبار أنهم أرادوه وفاقياً بالإسم وموالياً لهم بالفعل. فلم يجدوا أفضل من حشر اسم سمير جعجع بالجيش ليحاولوا إسقاط المؤسسة العسكرية بضربة يريدونها قاضية لدوره الوطني في خطوة تمهد لاتهام الجيش وقائده بالفئوية كما كان يحدث خلال أعوام الحرب. ولتأكيد ما نقوله، يكفي أن نورد جملة مما قاله نصر الله لسليمان خلال لقائهما الأخير وفقاً “للنيو تي في” والديار: “لقد تعبنا كثيراً حتى غيرنا قناعتنا بالمؤسسة العسكرية التي أصبح لديها عقيدة قتالية ضد إسرائيل…. لا نريد أن نخسرها”. سؤالنا هنا: هل كان الجيش يوماً مع إسرائيل لا سمح الله؟ ومتى كان هذا؟ فالجيش قبل أن يكون بقيادة العماد سليمان كان بقيادة حليفك لحود وقبله كان بقيادة حليفك عون. فهل إن عون كان مع إسرائيل؟ وهنا لا يسعنا إلا أن نتذكر ما كان يقوله نصر الله عن عمالة عون لإسرائيل أو حتى ما أورده محلل السفير في المقالة المذكورة أعلاه عن لقاءات عون بـ “أوري لوبراني”.
هناك مخطط واضح لضرب الجيش كآخر مؤسسة غير مطعون في شرعيتها من قبلهم. فبالإضافة الى طعنهم بالمؤسسات الدستورية أو إفراغها، طعنوا بشرعية قوى الأمن الداخلي قبلاً واتهموها بالعمالة للموساد وبشرب الشاي مع العدو. واليوم جاء دور الجيش ليستكمل إفراغ البلد من المؤسسات نهائياً، فيصبح البلد ساحة تكون فيها الغلبة للأقوى لا للقانون. فنصر الله قالها بصراحة لسليمان: نحن أقوى طائفة في البلد” (نقلاً عن الديار). فحزب الله لم يعد يريد التخفي خلف المقاومة وخلف الدولة من خلال البيانات الوزارية بل خلف الطائفة. هذه العبارة “نحن أقوى طائفة في البلد” تعني أن الصراع في لبنان طائفي وليس سياسيا، أي أنه صراع بين الشيعة وكل الطوائف الأخرى وهنا يسقط كلياً التفاهم الذمي بين العونيين وحزب الله.
ويتتابع التقرير السياسي- الرسالة عبر المحلل إياه، فيقول:” أن حالة الغليان لم تقتصر على كوادر حزب الله وأمل وجمهورهما بل على عدد من الضباط الحريصين على موقع الجيش وعلاقته بالمقاومة ودوره الوطني الذين ربطوا بين مستقبلهم وبين نتائج التحقيق”. إذاً الرسالة والربط مع بداية التقرير واضحة. هناك تهديد بانسحاب ضباط موالون لما يسمى بالمقاومة من الجيش في محاولة لتفكيك الجيش إذا لم تُسرّ نتائج التحقيق هؤلاء. إنهم يريدون أن يسير التحقيق في اتجاه غير سائر عليه حالياً كما يريدون للجيش ألا يكون لكل لبنان بل لفئة من اللبنانيين، يكون بمثابة قناع لأفعالها، لتبتعد عنها صفة الميليشيا والإرهاب دولياً.
وباستكمالنا للتقرير- الرسالة، نقرأ: “من أعطى الأوامر بتعزيز دوريات الجيش بدل سحب القوات المتواجدة في المكان لتخفيف هياج المحتجين؟”!!! . بدورنا نحن نسأل: ” لو ابتعد الجيش عن مكان الحادث أما كان هؤلاء اقتحموا عين الرمانة بالكامل لا جزئياً كما حصل؟
وللتأكيد على الإقتحام الذي نفاه التيار العوني في اجتماعه الأسبوعي واعتبره تلفيقاً، يكفي أن نورد ما نقله المحرر العوني في جريدة الأخبار غسان سعود عن غالب أبو زينب عضو المكتب السياسي في “حزب الله” والذي قال فيه:” أن المتظاهرين لم يدخلوا عين الرمانة بصفتها الطائفية بل ليلاحقوا القواتيين”. صحيح أن أبو زينب نفى أن يكون أعطى هذا الحديث، ربما باعتبار أنه لم يخبر حليفه العوني لينشر ذلك بل ليبرر له اقتحام عين الرمانة. إلا أن غسان سعود عاد وأكد هذا الحديث مع العلم أنه كان أفضل لتياره أن يخرج هو كاذبا لا أبو زينب باعتبار أن ما قاله أبو زينب يشكل فضيحة. وبمطلق الأحوال يشكل تأكيد سعود على كلام أبو زينب تأكيداً على دخول حزب الله الى عين الرمانة وعلم التيار به.
المؤامرة على الجيش واضحة إذا ربطنا بين تصريحاتهم وتحليلاتهم المتنوعة. فنقرأ في التقرير- الرسالة :”عندما سأل الشبان (المتظاهرون) عن النقيب الذي كان يتولى عادة التفاهم معهم، لماذا لم يُستدع ضباط المخابرات لاحتواء الموضوع؟”. هذا يثبت أن المتظاهرين لم يكونوا مواطنين عاديين كما ادعى حزب الله، بل متمرسين من حزب الله وأمل بدليل أن هناك ضابطا معروفا من قبلهم وينتدب دائماً للتفاهم معهم. والتفاهم على حد علمنا لا يقوم إلا مع مسؤولين راجحين. والتأكد من هذا يدفعنا الى الإستنتاج أن التظاهرة منظمة ومحضر لها من قبل حزب الله، وهذا يأخذنا الى ما قاله نجاح واكيم الى “المنار” في ما يشبه زلة اللسان (نقلاً عن الموقع الالكتروني للعونيين):” أن بعض المواطنين في عين الرمانة أفادوا الأجهزة الأمنية عن وجود مسلحين على سطوح أبنيتهم قبل نزول المحتجين الى الشارع”. نتساءل كيف علم هؤلاء القناصة المزعومون بموعد التظاهرة ومكانها؟
قد يكون واكيم يقصد “القوات” لكن “القوات” على حد علمنا لم تخترق حزب الله مخابراتياً وهي لا تملك جهازاً كهذا. والمنطق يقول، بعد ربطنا بين التأكيد أعلاه اي أن أن المظاهرة منظمة وبين خروج القناصة قبل موعد التظاهرة كما يقول واكيم، أن من خرج الى أسطح المباني هم ممن نظموا التظاهرة.
ويتتابع المسلسل المخابراتي عبر السفير، فيتهم الجيش بالتكتم على موقوفين من القوات. القصة اكتملت عندهم، الجيش أصبح عميلاُ قواتياً فصار ذبحه حلالا.
تخوين الجيش وتخويفه ربما، استمر من خلال تلفزيون “المنار”، إذ قال أحد المستضافين الشرفاء: “ان ما فعله الجيش يشبه ما تفعله إسرائيل مع الفلسطينين”، متسائلاً وهو يشاهد التلفاز هل هذا جيش إسرائيلي؟ هل هؤلاء الذين يضربون فلسطينيون؟ نحن نعرف أن ثقافة حزب الله تعني أن تخوين أحدا يعني إسقاطه أو بأقل الأحوال مقاتلته. فهل القنابل الصوتية التي ترمى على مراكز الجيش تأتي في هذا الإطار؟
هل الهجمة على الجيش وتصويره على أنه فئوي ومتعاطف مع طرف مسيحي كما تدعي السفير، يمكن وضعها في إطار هجمة على دور المسيحيين في حماية مفهوم الدولة؟ لقد كان لافتاً تصريح الشيخ نعيم قاسم حول ورقة التفاهم الذمية إذ قال: “ورقة التفاهم خيار استراتيجي سنكسر رأس من يحاول المس بها”. علينا أولاً تحديد مفهومه للمس بالتفاهم، فإذا كان استقطاب مسيحيي 14 آذار لكثير من العونيين عبر التصويب على مساوىء هذا التفاهم مس بالتفاهم، فهذا يشرفنا ويطمعنا بما تملك يداه لتكسير رأسنا. لكن الظاهر أن هذا الكلام موجه للتيار نفسه. فالقول أن التفاهم خيار استراتيجي موجه للعونيين ليفهمهم أن الخيارات الاستراتيجية ليست كالتكتيكات السياسية يُسهل التراجع عنها عند أي مطبّ كالذي حصل مع دخول حزب الله الى عين الرمانة. فالتراجع عن هذا الخيار الإستراتيجي يؤدي الى تكسير رؤوس المتراجعين عنه. هذا التصريح يؤكد أن حزب الله يحاول رسم خط معين للمسيحيين لا يحيدون عنه بوصفهم ذميين بالنسبة اليه. فهو الذي يؤمن الحماية لهم عبر تفاهم العونيين معه فيهددهم عبر دخوله المحدود الى عين الرمانة: “الويل لكم إن تخليتم عن هذا التفاهم”. وهو الذي يؤمن لهم ولبقية اللبنانيين الحماية على الحدود من العدو الغاشم في عقد ذمي غير معلن من طرف واحد. وهو الذي يدعي أنه يؤمن الحماية ويوفرها حتى للجيش اللبناني أكان ذلك من اسرائيل أم من أنصار حزب الله ذاتهم في عقد ذميّ مطلوب من قائد الجيش التوقيع عليه. فنصر الله قال لسليمان مهدداً حسب الديار:” أنا أستطيع ضبط حزب الله لكن هناك شارع حانق لا أملك ضبضبته وفي المرة القادمة لن تنفع المعالجات”.
بعد هذا أصبح المطلوب من العماد سليمان واضحا: لا تلعب دور البطل، إنجِ برأسك وليكن جيشك جيشاً رديفاً لجيش حزب الله، وتواضع بطموحاتك للجيش كما فعل سلفك. ولا تنفتح على بقية اللبنانيين فتحفظ طموحك الشخصي في ظل حكمنا العادل (حزب الله). كان هذا واضحاً في تقرير جريدة السفير إياه إذ قال المحلل – البوق: “إن سليمان اليوم يجعل الطريق نحو مستقبله السياسي رهناً بتفكيك أحجية قنبلة الأحد الأسود”.
إن عقود الذمة معروضة على الجميع، وكل فريق يملك حرية أن يختار. وبالنسبة الينا فقد اخترنا منذ 1400 عام ألا نكون ذميين وندعو الآخرين الى التخلي عن الذمية. فعقد الذمة لا يحمي عين الرمانة بل الحماية تأتي حصرا من سواعد جنود الجيش اللبناني الوطني وضباطه الذين لا تتعدى طموحاتهم حدود الوطن.