هل تقدر المعارضة على تنفيذ انقلاب ناجح في لبنان ؟
تقرير أوروبي: الكبار سيمنعون أي غزو سوري لدعم الانقلابيين
تقرير أوروبي: الكبار سيمنعون أي غزو سوري لدعم الانقلابيين
عبد الكريم ابو النصر
“المعارضة اللبنانية المتحالفة مع نظام الرئيس بشار الاسد ليست لديها القدرات والامكانات الفعلية اللازمة لتنفيذ انقلاب ناجح وتسلم السلطة في لبنان وانهاء حكم الاستقلاليين بقيادة الغالبية النيابية عبر استخدام القوة المسلحة، ليس فقط لان ميزان القوى العربي والاقليمي والدولي ليس لمصلحتها ولمصلحة سوريا بل ايضاً وخصوصاً لان ميزان القوى الداخلي ليس لمصلحتها خلافاً لما تحاول الايحاء به. فالمعارضة تستطيع ان تتحول تهديداً داخليا وان تحدث فوضى امنية واضطرابات في مناطق عدة تزيد من تأزم الاوضاع ومن معاناة اللبنانيين، لكنها لن تستطيع تنفيذ انقلاب مسلح ناجح وتبديل مسار الاوضاع جوهرياً لمصلحتها لأنها ستجد نفسها في حال مواجهة مع الدولة ممثلة بالجيش والقوى الامنية ومع القوى الشعبية الرافضة عودة الهيمنة السورية الى هذا البلد. وهذا الواقع الذي ترفض المعارضة الاقرار به علنا يدفعها الى تركيز جهودها على التعطيل السياسي والدستوري والاقتصادي ومحاولة الافادة من الاغتيالات والعمليات الارهابية المختلفة واعتماد التهويل واطلاق التهديدات والتحذيرات وخوض حرب نفسية واعلامية جارحة وقاسية ضد الاستقلاليين لارهابهم ودفعهم الى الرضوخ لها وللنظام السوري، لانها عاجزة عن حسم الامور لمصلحتها عبر استخدام السلاح ووسائل العنف المختلفة، او عبر الوسائل السلمية الشرعية والانتخابات الحرة”.
هذه خلاصة تقويم لاوضاع المعارضة اللبنانية اجرته مجموعة من الديبلوماسيين والخبراء الاوروبيين في شؤون لبنان والشرق الاوسط ورفعته في تقرير خاص الى حكومة احدى الدول الاوروبية. وقد اعد هؤلاء الديبلوماسيون والخبراء الاوروبيون تقريرهم استناداً الى معلومات خاصة من مصادر سياسية وديبلوماسية وعسكرية وبهدف الاجابة عن السؤال الآتي: هل تملك المعارضة بقيادة “حزب الله” فعلاً القدرة على تنفيذ انقلاب مسلح وتسلم الحكم في لبنان؟ الجواب هو: لا”.
وركز هذا التقرير الاوروبي في البداية على امرين اساسيين هما:
الاول، انه لم يحدث في تاريخ لبنان الحديث ان تمكنت طائفة ما او مجموعة قوى، ايا يكن حجمها، من تنفيذ انقلاب مسلح وتسلم الحكم بالقوة في هذا البلد واخضاع شعبه ومصيره لارادتها.
الثاني، ان الصراع في لبنان ليس صراعاً سياسياً داخلياً تقليدياً مشروعاً على السلطة بين الغالبية والمعارضة يجري في اطار احترام الدستور وقواعد العمل في النظام الديموقراطي، بل ان هذا الصراع يجري خصوصاً في ظل تصميم نظام الاسد على فرض هيمنته على لبنان مجدداً، وهو تحول خصوصاً منذ انتهاء الحرب الاسرائيلية صيف 2006، الى صراع طوائف ويكاد ان يصبح صراع وجود. فلم تعد الغالبية والمعارضة متفقتين فعلاً على مفهوم مشترك للدولة والسيادة والاستقلال والدستور ولصيغة تقاسم السلطة والشراكة في الحكم والتعايش بين الافرقاء اللبنانيين والوحدة الوطنية. فالغالبية ترى مصلحة الوطن في استقلاله الحقيقي وتحرره من كل انواع الهيمنة السورية وفي تكريس سلطة الدولة ومؤسساتها وفي منح اللبنانيين حرية تقرير مصيرهم بأنفسهم بعيداً من المخططات السورية والايرانية وفي الانفتاح على العالم والتمسك بالشرعيتين العربية والدولية والحرص على استمرار الدعم العربي والدولي الواسع للبنان والحرص كذلك على العدالة لانهاء حكم الارهاب وسياسة الاغتيالات. اما المعارضة فترى مصلحة لبنان في الارتباط الوثيق بسوريا وفي إضعاف الحماية العربية والدولية لهذا البلد وفي تقبل وجود “دولة حزب الله” المسلحة داخل الدولة اللبنانية وفي التكيف مع الاغتيالات والعمليات الارهابية التي تستهدف الاستقلاليين ومناطق نفوذهم وفي حماية نظام الاسد من المحكمة الدولية وتبعاتها المختلفة.
لماذا سيفشل الانقلاب؟
وركز التقرير الاوروبي على وجود مجموعة عوامل اساسية تمنع نجاح اي انقلاب مسلح يمكن ان تنفذه المعارضة. وهذه العوامل هي:
اولاً، الغالبية الاستقلالية التي تريد المعارضة، بتحريض من دمشق، انهاء حكمها ليست مجموعة من السياسيين المعزولين وليست مجرد غالبية نيابية وسياسية، بل انها غالبية شعبية حقيقية ليس من السهل القضاء عليها لانها تتشكل من الغالبية الساحقة من السنة والدروز ومن الغالبية الكبرى من المسيحيين الرافضين خضوع البلد للوصاية السورية ولحكم “حزب الله” القائد الحقيقي للمعارضة. ولذلك فان اي محاولة انقلابية تقوم بها المعارضة من اجل السيطرة على الحكم عبر استخدام السلاح واساليب العنف المختلفة ستجد في مواجهتها قوىش عبية كبرى من طوائف مختلفة تريد الدفاع عن حقوقها ومصالحها المشروعة.
وحينذاك سيتحول “انقلاب المعارضة” حرباً اهلية، محدودة او موسعة، لن يخرج اي فريق منها منتصراً ولن تبدل موازين القوى لمصلحة اي طرف او طائفة، ولن تدفع المجتمع الدولي الى مطالبة سوريا بالتدخل في لبنان لوضع حد للاقتتال الداخلي كما حدث عام 1976 لان كل الدول المعنية تدرك تماماً ان نظام الاسد شريك اساسي في اي انقلاب محتمل ينفذه حلفاؤه.
ثانياً، اي انقلاب مسلح تنفذه المعارضة سيتحول فعلياً مواجهة مباشرة بين “دولة حزب الله” و”الدولة الشرعية ممثلة بالجيش والقوى الامنية المختلفة. واذا ما رفضت القيادات العسكرية والامنية”، لاي سبب، التصدي لهذا الانقلاب وحماية الوطن وابنائه من اخطاره، فان الجيش سيفكك وينقسم حينذاك ويتوزع افراده بين مساندين للغالبية ومساندين للمعارضة. وهذا ما ستواجهه ايضا القوى الامنية ومثل هذا التطور ليس من مصلحة الانقلابيين. واذا ما بقي الجيش موحدا وتصدى مع القوى الامنية للانقلابيين، وهو الاحتمال الارجح استنادا الى معلومات دول عربية وغربية عدة، فان المعارضة لن تستطيع خوض حرب استنزاف حقيقية ضد القوى العسكرية والامنية بل ستضطر الى التراجع ووضع حد لمخططاتها.
ثالثا، اذا كان “حزب الله” قائد المعارضة يمتلك مع حلفائه كميات كبيرة من الاسلحة الآتية من سوريا وايران، فان القوى الاستقلالية ستتمكن من الحصول بسرعة على الاسلحة والمعدات الحربية التي تحتاج اليها في حال شعرت بخطر حقيقي يهدد الوطن واستقلاله، وفي حال ادركت انها مضطرة الى استخدام السلاح في اطار الدفاع المشروع عن النفس ومن اجل حماية مصالح وحقوق طوائف اساسية في البلد. لكن الاوضاع لم تصل الى هذه المرحلة حتى الآن، اذ ان المعارضة تتكلم اكثر مما تفعل.
رابعا، سلاح “حزب الله” يمتلك تأثيراً قويا في المعركة مع الاسرائيليين لكن يفقد فاعليته وتاثيره اذا ما تم توجيهه في الداخل ضد اللبنانيين. واقدام الحزب على استخدام سلاحه في حرب لبنانية داخلية يفجرها هو سيعتبر تطورا بالغ الخطورة وسيدفع الدول البارزة والمؤثرة الى التدخل باشكال مختلفة لحماية لبنان من هذا التهديد الكبير المدعوم سوريا وايرانيا، وسيعطي ذرائع ومبررات لارسال اسلحة الى القوى الاستقلالية، وسيجعل الكثير من العرب يرون في ذلك محاولة من “حزب الله” الشيعي لتقليص دور السنة في لبنان بالقوة وهضم حقوقهم مما ستكون له آثار سلبية للغاية في العالم العربي على العلاقات مع الحزب ومع الشيعة عموما.
خامسا، اي انقلاب مسلح يقوده “حزب الله” من اجل السيطرة على الحكم مع حلفائه ستكون له انعكاسات سلبية كبيرة على موقع العماد ميشال عون مما يزيد من تقليص نفوذه وشعبيته في صفوف المسيحيين. فالمعلومات التي تملكها جهات غربية معنية بالشأن اللبناني تؤكد ان غالبية انصار عون سيرفضون الاعتماد على تحالف زعيمهم مع “حزب الله” من اجل الانجرار الى حرب اهلية مسيحية – مسيحية سيدفع المسيحيون ثمنها في النهاية ولن يحققوا منها اي مكاسب. وسيصطدم عون، في حال قرر الانضمام الى الحركة الانقلابية المسلحة، بموقف حازم من الغالبية العظمى من المسيحيين ومن سائر الكنائس لان اي اقتتال بين المسيحيين انفسهم يؤدي الى تقليص دورهم لمصلحة طائفة اخرى، والى اضعاف استقلال لبنان لمصلحة سوريا.
تجربتا العراق وغزة
سادسا، يخطىء “حزب الله” اذا لم يستخلص الدروس الملائمة من التجربة العراقية قبل التفكير باي انقلاب مسلح في لبنان فالشيعة العراقيون الذين يشكلون نحو 60 في المئة من ابناء هذا البلد لم يتمكنوا، على رغم الحماية الاميركية لهم وامتلاكهم كميات هائلة من الاسلحة لم يتمكنوا من اقامة نظام حكم خاضع لهم الى حد كبير بعد سقوط نظام صدام حسين، اذ ان المقاومة السنية تمكنت من احباط هذا التوجه الذي يهدد بحرب اهلية طويلة الامد.
وهذا ما دفع العقلاء والواقعيين في صفوف القادة الشيعة، وبتشجيع قوي من واشنطن، الى العمل على تحقيق المصالحة الوطنية الواسعة مع السنة وتلبية مطالبهم الاساسية. ومن المستبعد جدا ان يتمكن الشيعة اللبنانيون بقيادة “حزب الله”، وهم يشكلون وفقا لادق الاحصاءات غير الرسمية نحو 30 في المئة من عدد السكان، تحقيق ما عجز عنه الشيعة في العراق، وخصوصا ان الشيعة اللبنانيين عموما ليسوا متحمسين فعلا لتفجير حرب اهلية طويلة الامد لمصلحة النظام السوري، وفقا لجهات ديبلوماسية غربية وعربية وثيقة الاطلاع.
سابعا، تجربة اخرى يتوقف عندها واضعو هذا التقرير الاوروبي هي تجربة غزة. واستناداً الى هذا التقرير فان المسؤولين السوريين والايرانيين هم الذين شجعوا فعلا قيادة “حماس” على اسقاط اتفاق مكة الذي حقق المصالحة والمشاركة في الحكم بين “حماس” و”فتح” برعاية السعودية ومساندتها، وعلى تنفيذ الانقلاب في غزة والسيطرة كليا على القطاع تمهيدا للسيطرة لاحقا بدعم سوري – ايراني على الضفة الغربية واسقاط السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس. وقام السوريون والايرانيون بتشجيع “حماس” على تنفيذ هذا الانقلاب من اجل الامساك بالورقة الفلسطينية والمساومة عليها مع الدول العربية والغربية المعنية بالامر. بهدف تحقيق مكاسب لهم في الجولان وعلى تحقيق الملف النووي الايراني وليس بهدف تحقيق مكاسب للفلسطينيين وتأمين مصالحهم الحيوية والوطنية. لكن انقلاب “حماس” في غزة وصل الى طريق مسدود اذ ان الحركة الاسلامية غير قادرة على تحقيق اي مكاسب لها او للفلسطينيين. اما القيادتان السورية والايرانية فتركتا “حماس” تواجه مصيرها بقدراتها الذاتية وامتنعتا عن تقديم اي مساعدة فعالة ومؤثرة لها، كفتح جبهة الجولان امام العمليات الفدائية مثلا – لانقاذها من مأزقها ولحماية فلسطينيي غزة من شراسة اسرائيل وسيواجه “حزب الله” المأزق الخطر نفسه الذي تواجهه “حماس” في غزة اذا ما نفذ انقلابا مسلحا استجابة لرغبة السوريين.
ثامنا، لن تستطيع القيادة السورية ارسال قوات الى لبنان لدعم حلفائها وتمكينهم من تسلم السلطة بالقوة في البلد، لان خطوة سورية كهذه ستشكل انتهاكا فاضحا لاستقلال لبنان وسيادته ولقرارات مجلس الامن ذات الصلة، وستدفع الدول الكبرى الى التدخل بوسائل مختلفة ومنها الوسائل العسكرية اذا لزم الامر من اجل احباط اي غزو سوري – للبنان.
واكد التقرير الاوروبي ان اي عملية انقلابية مسلحة ينفذها “حزب الله” ستكون بمثابة عملية انتحارية ولن تحقق اهدافها وستدفع المجتمع الدولي الى التعاطي معها على اساس انها حركة مسلحة مدعومة من القيادة السورية وليس على اساس انها عملية داخلية لبنانية – لبنانية. ومثل هذا الامر سيدفع مجلس الامن الدولي الى اتخاذ اجراءات لم يتخذها من قبل ضد نظام الرئيس بشار الاسد، كما سيدفع عددا من الدول العربية والغربية البارزة والمعنية بمصير لبنان الى التعامل مع النظام السوري ، والى حد كبير، كما تعاملت سابقا مع نظام صدام حسين بعد قيامه بغزو الكويت صيف 1990 حين فرضت مجموعة كبيرة من العقوبات الدولية عليه.