#dfp #adsense

مأزق الموقف السوري بين انتخاب الرئيس والمحكمة الدولية

حجم الخط

مأزق الموقف السوري بين انتخاب الرئيس والمحكمة الدولية


ذهب الكاتب البريطاني باتريك سيل الى دمشق لحضور احتفالات ثقافية، فإذا به يعود بحصيلة سياسية تختصر موقف سوريا إزاء أزمة رئاسة الجمهورية اللبنانية وما يتفرع عنها من مستجدات.


واللافت ان نائب الرئيس السوري فاروق الشرع كان في طليعة الذين رسموا صور المخاوف حيال الوضع اللبناني بعد الإيحاء بأن دمشق فقدت ثقتها بالعماد ميشال سليمان.


واستخدم الاستاذ غسان تويني معلومات باتريك سيل مؤلف كتاب “الأسد” ليظهرها في افتتاحية يوم الاثنين الماضي كشهادة شبه رسمية تنقض كل ما قدمه عمرو موسى من حلول.


ويستدل من الأسباب التي قدمها الكاتب سيل حول الدافع الاساسي لتبدل موقف سوريا، اقتناعها بأن العماد سليمان فقد صفة مرشح الاجماع. وحجتها انه ذهب سراً الى الرياض حيث يقال انه قدم تعهدات بشأن تحالفاته المستقبلية. والغرض من إطلاق شائعة كهذه هو الايحاء بأن العماد سليمان يريد إرضاء كل الأفرقاء العرب، وبأن توجهه الى أي عاصمة اخرى غير دمشق يعتبر خطيئة يصعب غفرانها، خصوصا ان القاهرة كانت اول من طرح اسم العماد كحل مرضٍ يأتي من خارج الوسط السياسي، ومن خارج جماعة 14 آذار او جماعة 8 آذار.


العماد سليمان لا يخفي طموحاته السياسية، خصوصاً انه كان يتوقع من سوريا معاملة الصديق الذي يؤمّن لها مصالحها الحيوية في لبنان، مثلما فعل العماد الرئيس اميل لحود. وقد اقنعته الاختبارات العملية التي امتحن بها نيات دمشق بانه سيكون المرشح المفضل في حال فرط عقد المرشحين السياسيين. لذلك استمر في تثبيت موقعه حتى خلال معركة مخيم نهر البارد يوم أمنت له القيادة السورية حاجته من الذخيرة. وعندما هددت المعارضة بتشكيل حكومة ثانية في مواجهة حكومة السنيورة، تعرض لامتحان اميركي بواسطة ديفيد ولش، مساعد الوزيرة كوندوليزا رايس. وحرص العماد سليمان في جوابه على اتخاذ موقف حيادي بين الفريقين، مؤكداً ضرورة ابعاد الجيش عن ساحة الصراع خوفاً من تفكك وحدته. وقال للمبعوث الاميركي انه ملتزم شرعية حكومة السنيورة الى حين ظهور حكومة ثانية يمكن ان تمثل ولو ثلاثين في المئة من الشعب اللبناني.


واعترف ان هذه النسبة ستكون كافية في نظره، للانسحاب من السباق. ويرى العماد سليمان، ان مهمة رئيس الجمهورية يجب ان تظل محصورة بمواصفات الحكم وقاضي القضاة، مثلما حددها الدستور.


يجمع نواب جماعة 14 آذار على القول ان صفة الرئيس اللبناني المحايد لا تدخل في قاموس السياسة السورية، نظراً الى كثرة التنازلات الوطنية التي قدمها الرئيس السابق اميل لحود، والتي تحولت الى معيار للعلاقات. وبما ان لحود حسب تقويم سوريا له، بقي الرئيس المثالي الذي الغى الشكوك حول إخلاصه، كذلك احترمت القيادتان الحزبية والعسكرية، رأيه بالعماد سليمان. وهو رأي المعترض والمستنكر والشاجب لفكرة ترئيسه. وربما لا يجاريه في هذا الموقف السلبي سوى العماد ميشال عون الذي يؤمن بان اختيار سليمان سينسف حظوظه في الوصول الى قصر بعبدا.


اضافة الى نصائح الحلفاء، فقد تعرض العماد سليمان لامتحان شفهي قام به نائبان من جماعة المعارضة. وانحصرت الاسئلة بالثلث المعطل (الضامن) وطريقة تعامله مع اعضاء حكومة الاتحاد الوطني.


ورفض سليمان إلزام نفسه بأي موقف مسبق، مؤكداً انه سيبقى وفياً لقسم الدستور الذي يحدد دور الرئيس بالمحافظة على وحدة الوطن والاستقلال والسيادة. وذكر بان وثيقة الوفاق الوطني لحظت كل هذه الامور بدليل انها ربطت عملية إصدار مرسوم تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء.


بين المخاوف السورية التي ذكرها باتريك سيل في مقالته، مقطع يشير الى ان دمشق تخشى من تعزيز مواقع 14 آذار المناهضة لها. كما تخشى من توقيع سلام منفرد مع اسرائيل على غرار اتفاق 17 أيار 1983، الذي سعت اسرائيل الى تحقيقه.


ترى جماعة 14 آذار ان الاختلاف مع القيادة السورية لم يطرح من هذه الزاوية اطلاقاً، بل من زاوية حق ممارسة دور وطني عروبي يتطلع الى سوريا كجارة كبرى لها علاقات مميزة مع جارتها الصغرى. وبخلاف جماعة 8 آذار، تعارض الاكثرية منح سوريا حق الهيمنة على القرار الوطني الحر، وهي تستهجن اخراج اتفاق 17 ايار من حقبة مشؤومة ألغاها اللبنانيون من تاريخهم الحديث بفضل تكاتفهم وتصديهم لعملية الغزو. لهذا صنفهم المؤرخون كأول شعب عربي يطرد اسرائيل بالقوة من أراضيه المحتلة. وعليه يرى وليد جنبلاط، الذي ساهم اكثر من أي زعيم آخر في اسقاط 17 أيار، أن رئيس جمهورية لبنان لا يستطيع التفرد بالقرارات المصيرية. والسبب ان الدستور حدد صلاحياته أثناء عقد المعاهدات الدولية، بشرط الاتفاق مع رئيس الحكومة. حتى المعاهدات التجارية لا يستطيع الرئيس إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب.


اضافة الى هذه القيود الدستورية، فإن وثيقة الطائف حددت ماهية العلاقات اللبنانية – السورية في البند الرابع من المبادىء العا مة، وقد انتقدها في حينه العميد ريمون اده، واعتبرها نوعاً من الإملاء لأنها في نظره، اتفاق بين قوي وضعيف… بين غالب ومغلوب. ثم تبين بالممارسة أن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء يمثلان في هذا الاطار، دوراً هامشياً لا يختلف عن دور الحكام التابعين!


بعد احداث الضاحية الجنوبية يوم الاحد الماضي، وسقوط ضحايا من المحتجين على تقنين الكهرباء، دخلت ا زمة الفراغ الرئاسي مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والأمني. وربطت قيادة “حزب الله” موقفها من مواصلة الجهود لحل موضوع الرئاسة،  بظهور نتائج التحقيقات في اسباب اطلاق النار من قبل الجيش، او من قبل طرف ثالث. وهذا معناه تأجيل عملية البت في مسألة رئاسة الجمهورية الى حين جلاء التحقيق في امر يتعلق بمسؤوليات رئيس الوزراء وقائد الجيش المرشح لملء فراغ المنصب الأول.


الاربعاء الماضي اضاف وزير الاعلام السوري محسن بلال عقدة جديدة يصعب حلها قبل يوم الاثنين (11 الحالي) المحدد لجلسة انتخاب الرئيس. ووصف الوزير المبادرة العربية “بسلة متكاملة بحيث يجري الاتفاق على أسس تشكيل الحكومة قبل انتخاب الرئيس”. وقال ايضاً ان سوريا وحدها لا تستطيع ايجاد الحل، لكونه يحتاج الى مساهمة كل الدول العربية والى حل لبناني توافقي.


ويستنتج من كلام الوزير بلال أن بلاده تتبنى حل المعارضة المطالبة بالاتفاق  على تشكيل حكومة اتحاد وطني قبل الانتقال الى عملية الاتفاق على اختيار الرئيس. وحجته ان وزراء الخارجية العرب في القاهرة لم يبرمجوا أولويات المسائل الملحة، وانما قدموا الحل كسلة متكاملة، وهذا معناه العودة الى المربع الأول، وإلى حال المراوحة التي يتقنها أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى.


في جملة المخاوف التي التقطها باتريك سيل أثناء زيارته لدمشق، الخوف المتمثل من قيام المحكمة ذات الطابع الدولي التي أنشئت لمحاكمة قتلة رفيق الحريري في 14 شباط 2005.


ويرى سيل ان سوريا تبدو أقل قلقاً حيال أي حكم يحتمل صدوره عن المحكمة، مما هي قلقة بالنسبة الى مسار المحاكمة على مدى الأشهر والسنوات المقبلة. وبما أنه من المحتمل استخدام المحكمة لأغراض سياسية بهدف زعزعة الاستقرار، فإن المسؤولين يعتبرون عملية استدعاء عشرات الشهود بمثابة “سيف ديموقليس” المصلت فوق رأس الدولة.
وترى جماعة 14 آذار، ان الغاء المحكمة الدولية بواسطة الثلث المعطل في حكومة الاتحاد الوطني، يبقى هو بيت القصيد. وهذا ما يتصوره الوزير مروان حماده الذي يعتبر موضوع رئاسة الجمهورية ثانوياً بالنسبة للهموم المتأتية عن مسار المحاكمات الطويلة. وبين النواب من يذكّر برمزية المقارنة بين ظروف المحكمة وحكاية الرسالة التي بعث بها الزعيم الدرزي كمال جنبلاط الى الرئيس فؤاد شهاب.


تقول الرواية إن صديق جنبلاط وشهاب المعروف بظرفه عارف يحيى حمل رسالة من الزعيم الدرزي يعرض فيها شروطه للانضمام الى حكومة اتحاد وطني. وكانت الرسالة مؤلفة من تسعة شروط سياسية، زائدة شرطاً إدارياً عاشراً.
ولما قرأ الرئيس شهاب الشروط العشرة امتقع وجهه، وانفجر غاضباً وهو يردد الشروط التعجيزية وبينها: 1- توسيع العلاقات الديبلوماسية مع كوبا و2- اصدار بيان بتأييد فيتنام الشمالية في حربها ضد الولايات المتحدة، الخ. أما الشرط العاشر فيقتضي ترقية العميد أنيس أبو زكي.


وعندما هدأ غضب الرئيس شهاب، ضحك عارف يحيى وخاطبه بقوله: بسلامة فهمك يا ريس. رسائل كمال بك لازم تُقرأ من تحت لفوق وليس العكس. إبدأ بالشرط العاشر، وأنا كفيل بأنه سينضم الى الحكومة!


في ضوء هذه الرواية، يرى النائب وليد جنبلاط ان اولويات سوريا تركز على موضوع إلغاء المحكمة الدولية، في حين تطلب من حلفائها في لبنان تجاوز حقوق الأكثرية من طريق تأجيل ملء فراغ الرئاسة. والملاحظ ان جميع أوراق الضغط قد استنفدت، ولم يعد هناك سوى ورقة العنف. وهي ورقة بالغة الخطورة يصعب إطفاء نيرانها اذا ما اشتعلت وامتد لهيبها من شوارع بيروت الى سائر المدن والقرى.


وقد يفاجأ معدو الفتنة بحجم الانفجار الذي يعيد الى الذاكرة مآسي 1975 وما حملته تداعياتها من دماء صبغت كل البيوت، ومن المؤكد ان موجة التعريب ستتراجع أمام موجة التدويل التي تمتد من “اليونيفل” في الجنوب لتشمل بيروت وضواحيها. وربما تجد اسرائيل التعويض المعنوي عن خسارة الحرب بإذكاء فتنة مذهبية تغرق الكل في مستنفع العنف والاقتتال، وهذا ما حذر منه عمرو موسى خلال مؤتمره الأخير في الكويت عندما قال إنه من الضروري انتخاب الرئيس اللبناني في أسرع وقت ممكن. وفي رأيه أن التأخير يمثل ضربة موجعة لأمن لبنان واستقراره. بل هذا ما دعا اليه سفير السعودية عبد العزيز خوجه لاعتقاده بأن عملية انتخاب الرئيس تفسح المجال أمام تشكيل حكومة اتحاد وطني تجمع بين عناصرها مختلف أطياف المجتمع اللبناني. وقد عبّر في دعوته عن موقف المملكة التي تدخلت اكثر من سبع مرات لإطفاء حرائق الحرب اللبنانية الطويلة، بدءاً بمؤتمر الرياض وانقاذ عرفات وانتهاء بمؤتمر الطائف الذي وضع حداً للاقتتال الداخلي.


وعد عمرو موسى بالمجيء الى لبنان قبل الاثنين 11 الجاري. وهو يتوقع ان ينجح في إطفاء فتيل الفتنة لأن مهمته هذه المرة لن تنحصر في إنقاذ فراغ الرئاسة، بل في إنقاذ الوطن من مغامرات ابنائه!

المصدر:
النهار

خبر عاجل