ثلاث سنوات يابسة
مروان اسكندر
بعد احد عشر يوماً تكون قد انقضت ثلاث سنوات على اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وعدد من المارة الابرياء.
خلال السنوات الثلاث المنقضية تباعد اللبنانيون بدل ان يتقاربوا، وتحمل لبنان أعباء حرب 2006 وخسائرها، وكذلك مفاعيل الاعتصام وسط بيروت، وتوترات هبوب الشارع بين الحين والآخر بحجج واهية أو غير حقيقية.
خلال السنوات الثلاث المنقضية تباعد اللبنانيون بدل ان يتقاربوا، وتحمل لبنان أعباء حرب 2006 وخسائرها، وكذلك مفاعيل الاعتصام وسط بيروت، وتوترات هبوب الشارع بين الحين والآخر بحجج واهية أو غير حقيقية.
الخسائر أصابت الجميع، ومن أهمها ما لحق بلبنان نتيجة حرب 2006، وكانت الخسائر الممكن احتسابها تفوق سبعة مليارات دولار، والخسائر الافدح التي لا يمكن احتسابها والمتمثلة بالقتلى والجرحى والمهاجرين من لبنان، أثقل بكثير. أما الخسارة الكبرى، فكانت في انعدام النمو على فترة ثلاث سنوات، واندثار الثقة بمستقبل البلد بداية لدى المستثمرين العرب والأجانب، ومن ثم حديثاً لدى اللبنانيين انفسهم، فأصبحت صورة المستقبل قاتمة وفيها ظلم كبير للبنانيين دون سن الثامنة عشرة الذين يشكلون نسبة لا تقل عن 30 الى 35 في المئة من مجموع اللبنانيين.
لقد صارت الهيكلية السياسية والمعيارية للبلد مناهضة لمستوجبات النمو وتحدياته في القرن الحادي والعشرين.
وصارت مستلزمات الانفاق العام الجاري، سواء على قوى الجيش والأمن الداخلي لحفظ الاستقرار والقرار، أو على خدمة الدين، مناهضة لاستهدافات النمو والتطوير.
وبات اعتكاف مجلس النواب عن الانعقاد لاتخاذ القرارات الحيوية لمستقبل لبنان، ان على الصعيد السياسي أم على مستوى اقرار المشاريع لاستدراج رصيد مؤتمر باريس 3 البالغ ستة مليارات دولار، ظاهرة مخيفة بالنسبة الى طبيعة النظام السياسي الذي نعيشه والذي كنا نعتبر ان فيه بعض ملامح الديموقراطية والشفافية.
ومن أبرز اسباب الانقسام السياسي المواقف المعلنة والحقيقية من انشاء المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة للبنان والمكلفة تسمية المحرضين والمشاركين والمنفذين لجريمة اغتيال الرئيس الحريري. وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل من فريق يريد الخير لبلده يمكن ان يطلب الغاء مسيرة تحقيق واسع لادانة المنفذين والمخططين لجريمة كان القصد منها منع اللبنانيين من التفكير في استعادة حرية القرار والنشاط في بلدهم؟
كثيرون يتناولون المحكمة وإجراءاتها بالانتقاد، حتى ان بعضهم أعلن انها لا تساوي قشة في حساباته وهو على ما يقول زعيم كبير، والضباط الموقوفون يقوّلون سيرج برامرتس، وثالث المحققين الدوليين في الجريمة، ما لم يقله.
ربما من المفيد التذكير بان صورة الاتهام توضحت في تقرير المحقق الدولي الاول باتريك فيتزجيرالد نائب رئيس قوى الشرطة الايرلندية الذي انجز التحقيق الاولي في ظروف الاغتيال وخلفياته وقدم تقريره بعد 30 يوما وكان قد بدأ تحقيقاته ولم يكن قد انقضى على الجريمة عشرة أيام، أي في 25 شباط 2005. وقد اكد فيتزجيرالد في تقريره المؤرخ 25 آذار 2005 مسؤولية اجهزة الامن اللبنانية والسورية عن تدهور المناخ الامني العام الامر الذي شجّع على الجريمة، كما أكد على تواطؤ المسؤولين الامنيين اللبنانيين والسوريين الكبار على اخفاء الادلة والعبث بها. وهو أول من أكد ان المخططين والمنفذين استعملوا وسائط الاتصال الالكترونية لتنفيذ الجريمة، وان مراجعة المخابرات الهاتفية قبل الجريمة بأسابيع وقبل الانفجار بساعات توفر أدلة حيوية على المشاركين في الجريمة.
وأكد المحقق ديتليف ميليس استخلاصات فيتزجيرالد وأدرج اسماء مشاركين في التخطيط للجريمة شملت أمنيين وسياسيين لبنانيين، وأيضاً أمنيين سوريين. وقد فرض الأمين العام للأمم المتحدة في حينه على ميليس سحب الاسماء من التقرير، لكن نص التقرير الاول لا يزال متوافرا لدى العديد من المراقبين. كذلك فان تقرير المحقق الثالث برامرتس الذي يعتمده الضباط الموقوفون للتشكيك في شرعية توقيفهم، يبين بكل وضوح ان معالم الجريمة وأسبابها توضحت الى حد كبير نتيجة اعتماد اللجنة توصيات ديتليف ميليس في شأن المخابرات الهاتفية.
ومن سخرية القدر ان تكون بيروت حاضنة لإحدى أهم مدارس القانون في عهد الامبراطورية الرومانية، وان يكون هناك فريق من المحامين والقضاة اللبنانيين المميزين بعلومهم يشارك على أعلى المستويات في مجريات التحكيم في باريس وجنيف في الزمن الحاضر، ويكون هناك من القوى السياسية من يرفض مسيرة المحكمة ذات الطابع الدولي ويشكك في اجراءاتها ومنطلقاتها، ويعمل ما في وسعه لتدهور اوضاع لبنان الى حد يجعل المواطنين يكفرون بالمحكمة ويطالبون بغض النظر عنها وقاية للسلام الداخلي.
لقد نال لبنان من الاهتمام العربي والدولي ما لم يحظ به أي بلد مماثل، ان على صعيد الاعانات الفورية، او التزام المعونات والتسهيلات الطويلة المدى، او وجود قوة حفظ السلام الدولية من مختلف البلدان، ومع ذلك تستمر الاوضاع متقلبة وغير مأمونة والاقتصاد يتدهور يوماً بعد يوم.
لبنان المستقبل، المطلوب بالفعل لدى غالبية اللبنانيين، تظهر تفاصيله في نشاطات اللبنانيين خارج بلدهم، وفي تفاعلهم بعضهم مع البعض سواء في مجالات التعليم وتأسيس المدارس في المجتمعات المتطورة، أو في خدمات المعلوماتية المفيدة على الصعيد الدولي، أو في توفير فرص الاستثمار المجدية، أو الاشتراك في مسؤوليات المصارف العالمية الكبرى، أو في نطاق انجازات التعهدات والمشورة الفنية الهندسية والطبية والصحية، أو نشاطات الاعلام والاعلان والصحافة الالكترونية والابتكار.
لبنان الناشط في الخارج هو المرتكز في المستقبل. ونجاح اللبنانيين حيث هم يستند الى كفاياتهم وجهودهم وانفتاحهم بعضهم على البعض، فالطائفة والمذهب والعصبية أمور لا تشغلهم وتحول تركيزهم عن تحقيق انجازات تؤمن مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم.
هل يعود هؤلاء الى لبنان بانفتاحهم وقدراتهم المهنية والمادية؟ سؤال يعلق جوابه على تحقيق مقدار من الديموقراطية الحقة والمعاصرة والشفافية في الحكم والحياة في لبنان.