قراءة قانونية وأمنية وسياسية لباكورة القرارات القضائية في حوادث الفتنة في مار مخايل
حتى لا يخرج الجيش من وظيفة حماية السلم الأهلي
فارس خشّان
من يُدقق بقانون العقوبات جيّدا، يُدرك ان التدبير الذي اتّخذه مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي جان فهد، على ضخامة إجراءاته التي أوقفت 3 ضباط ورتيبين و6 عسكريين، هو تدبير ناقص أو أسرع مما يفترضه منطق التحقيق الميداني وجاء على وقع الضغط السياسي الذي مارسته الحاضنة الحزبية.
بطبيعة الحال، ما حصل في منطقة مار مخايل قبل ثمانية أيّام ليس بالحدث العادي، ولكن “تنفيس” نتائجه بإجراءات ردعية عادية يبقى أخطر بكثير، بفعل تداعياتها المرتقبة، على البلاد.
ذلك أن توقيف هؤلاء الضباط والرتباء والعسكريين، يُفترض أن يُقنع عديد المؤسسة العسكرية قبل أن يُرضي أي طرف سياسي، على اعتبار أن أي شعور بالظلم أو أي إحساس بأن وراء الأكمة كبش محرقة، من شأنه أن يشل الجيش اللبناني وتاليا أن يضع البلاد في أسر الجهات التي تحاول أن تقايض الإستقلال بالإستقرار والسلطة بالتهدئة.
وثمة سؤال كبير يتم طرحه اليوم في البلاد: ماذا سيحصل مستقبلا عندما تُقرر الفئات السياسية التي تقف وراء تحرك مار مخايل أن تنزل الى الشارع فجأة وتتوسع كيفما ارتأت؟، هل ستجد جيشا يصدها أو يُحدّد مسلكيتها أم أن القوة العسكرية التي تتولى الأرض ستفكّر بأن تنجو بنفسها، تاركة الأمور فالتة على عقالها؟، وفي هذه الحالة ماذا سيحصل؟، ماذا سيكون موقف أولئك الذين قرروا أن يحتموا بالجيش اللبناني؟، هل سيقررون المواجهة؟، وتاليا ما هو مصير السلم الأهلي في لبنان؟.
وحتى يكون توقيف من جرى توقيفه مقنعا، هل ثمة أجوبة تمّ تقديمها الى اللبنانيين عموما والى العسكريين خصوصا، بأن أولئك الذين تقررت ملاحقتهم قد اقترفوا فعلا أيّ جريمة، وهل هم من تسبّب باندلاع المواجهة الدموية، ام أن الفوضى التي افتعلها من يقف وراء المتظاهرين موفّرا لهم عدة الحريق والنقل والكر والفر، هي السبب؟.
وفي هذا الإطار، قد يكون موقوفو المؤسسة العسكرية مذنبين، أو بالأصح مشتبها بذنبهم، ولكن من هو المتورط بقتل أول ضحية، لأن تقرير الأطباء الشرعيين يجزم بأن أحمد حمزة سقط برصاص يعود الى بندقية كلاشينكوف، روسية الصنع لا تتوافر مع الجيش اللبناني، كما أنّه لم يسقط برصاص القنص، ليس لأن أعمال القنص إنتفى وجودها فحسب ،بل لأن المسافة التي كانت تفصل الضحية عن مطلق النار لا تتعدى خمسة عشر مترا، أيضا.
وعلى الرغم من أن التحقيق مستمر، فإن التحقيق لم يقدّم أجوبة شافية ومقنعة، قبل أن يعمد الى توقيف هذا العدد من العسكريين، عن توصيف ما حصل في منطقة مار مخايل، بمعنى آخر، هل كانت هناك تظاهرة مرخص بها جرى قمعها، أم هل كانت تجمعا معلنا عنه مسبقا وجرت محاولة لمنعه بالقوة، أم كان تجمع شغب، وفق مفهوم قانون العقوبات، طالما ان الكلام هو على وجوب تطبيق القانون؟.
وفي هذه الحالة، ماذا عن تطبيق المادة 346 من قانون العقوبات التي تنص على معاقبة كل حشد أو موكب على الطرق العامة أو في مكان مباح للجمهور، لأنه يُعد تجمعا للشغب، وذلك إذا تألف من ثلاثة أشخاص أو أكثر بقصد ارتكاب جناية او جنحة وكان أحدهم مسلحا، أو إذا تألف من سبعة أشخاص على الأقل بقصد الإحتجاج على قرار أو تدبير اتخذتهما السلطات العامة بقصد الضغط عليها، أو إذا أربى عدد الأشخاص على العشرين وظهروا بمظهر من شأنه أن يُعكّر الطمأنينة العامة.
وهنا يمكن النظر بتمعن في احكام المادة 348 من قانون العقوبات عن مصير كل شخص جرّ السلطات المختصة الى استعمال القوة من أجل أن تفرض طاعتها.
وسط هذه التحديدات، أين هم أولئك الذين كانوا على الطريق؟، هل فعلا عددهم هو ستة اشخاص؟، وهل ما شاهده اللبنانيون بالعين المجردة أو بواسطة الكاميرا ينطق بهذ العدد؟.
وطالما أن أحدا لا يقف بوجه التحقيق، ماذا عن الجهات التي أقنعت أبناء الشياح بأن أبناء عين الرمانة قد قاموا بأعمال القنص مستهدفين حياة شبابهم؟، وماذا عن هؤلاء الذين يستمرون بالتلميح الى ذلك؟، فهل ثمة من يعتقد لوهلة أنّ قدّاسا يمحو هذه الآثام؟، وفي حال كان الأمر كذلك، لماذا لم يتم إرسال الجميع بمن فيهم العسكريين الى كنيسة مار مخايل ليُصلوا ويستغفروا الله؟، وهل هناك من لا يستذكر قداديس الحرب الأهلية التي كانت تُحاول أن تُلمّع صورة الآمرين بالذبح على الهوية؟، لا بل هناك، من يجهل قصة تثبيت “وطنية” عون بلفافة ذاك الموظّف في شركة كهرباء لبنان؟.
ومن يذهب في هذا الإتجاه في مناقشة التدبير القضائي، لا يبدو بموقع من يُدافع عن الأخطاء التي حصلت في مار مخايل، قبل ثمانية أيام، لأنه في واقع الحال يُعرب عن مخاوفه من تداعيات التدابير الزجرية الناقصة، لأن الآتي يبدو أعظم والقتلى السبعة مرشحون في المستقبل لتكاثر سرطاني، في حال تمّ الإكتفاء بمعالجة قانونية من مدخل سياسي.
وبهذا المعنى، وفي حال شلّ الجيش اللبناني، من سيحول غدا دون هجوم مجموعة من الأهلين على مخيم وسط بيروت، مثلا، لإيمانهم بأن هذه الخيم هي التي تُسبب خسائر إقتصادية لا يمكن للبلاد والعباد تحمّلها؟، وماذا يمكن أن يُقال لأهالي الزيادين ومن يناصرهم، في حال قرروا بقوتهم الذاتية إقفال الطرق الى المناطق التي يعتقدون أن القتلة والخاطفين موجودون فيها؟.
في واقع الحال، وحدُهم دعاة الحرب الأهلية يضغطون لتحقيق مجتزأ، لأنّ هدفهم أن يسقط هيكل الدولة ليبنوها هم بما يُناسب أحجامهم الطائفية وارتباطاتهم الإقليمية