بين الاعتكاف عن “التوافق” الحكومي والاعتكاف عن “التوافق” الرئاسي
“جدول بياني” لوتيرة تهديم الدولة في لبنان
محمد مشموشي
لن يكون من المبالغة في شيء الظن بأن اللبنانيين، منذ الاعتكاف عن “التوافق” في الحكومة وحتى الاعتكاف عن “التوافق” على قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، قد أدركوا الكثير من الأمور المخفية التي جعلتهم ما هم عليه حاليا. ولمن لا تسعفه الذاكرة، أو ربما لا يريد أن يتذكر، قد لا يكون من اللغو اعادة نبش الأحداث على امتداد الفترة … وفي كل حدث، “الذرائع” التي وضعت للتغطية أو للتبرير.
في الاعتكاف الأول، كانت ذريعة الخروج من الحكومة حاجة المعتكفين الى “البحث المعمق” في ما اذا كان على مجلس الوزراء الدفاع عن رئيسه الذي أتهم يومها بلسان الرئيس السوري بشار الأسد بأنه “عبد مأمور لعبد مأمور”. لكن الذريعة تحولت من بعد الى حاجة المعتكفين للتمييز بين المقاومة والميليشيا، وانتهى الاعتكاف عمليا بعد اعادة الرئيس فؤاد السنيورة تأكيد مقولته الدائمة ب “أننا لم نسم المقاومة يوما الا باسمها”.
في الاستقالة من الحكومة، كانت ذريعة الوزراء (المعتكفون سابقا + واحد) حاجتهم مجددا لـ “البحث” في ضرورة ( أو لا ضرورة ؟) احالة جريمة اغتيال الشهيد جبران تويني قبل ذلك بيوم الى المجلس العدلي ولجنة التحقيق الدولية واقرارالمحكمة ذات الطابع الدولي، واذا تأجيل جلسة مجلس الوزراء الى موعد لاحق .. والا فالاستقالة ! .
وقصة “الحكومة الدستورية” ثم “غير الميثاقية وغير الشرعية”، بلسان رئيس مجلس النواب نبيه بري، و “الحكومة غير الموجودة ” بلسان الرئيس السابق اميل لحود، واقفال المجلس تبعا لذلك، وصولا الى نصب مخيم ساحة رياض الصلح ( ما زال قائما منذ عام وثلاثة شهور) مع ما رافقه من أحداث لامست حدود الفتنة المذهبية والحرب الاهلية معروفة للجميع.
أحجيتا الحوار والتشاور، خارج مجلسي الوزراء والنواب من جهة وحول عناوين يفترض ألا تكون موضع خلاف من جهة ثانية، وجمودهما عند نقطتي “الاستراتيجية الدفاعية” ورئاسة الجمهورية ثم ما أدتا اليه من عدوان اسرائيلي دمر لبنان كله ومن ثبوت “عضوية” رئيس الدولة (لأول مرة في التاريخ) في المعارضة، معروفتان بدورهما وما زالت آثارهما ظاهرة للعيان حتى الآن. في سياقهما، أحيل النقاش حول”الاستراتيجية الدفاعية” الى تبادل الأوراق والمشاريع لكن طرفا فيها سمح لنفسه التلاعب لوحده بقرار الحرب والسلم، بينما تمسك طرف ثان بنظريته القائلة بأن الحكومة “غير موجودة”، رافضا، مع علمه أن موقفه غير دستوري، التوقيع على قراراتها ورافضا في الوقت ذاته تعيين بدلاء عن المستقيلين الى آخر المعزوفة أما تراجيديا حرب تموز/ آب العام 2006، فحدث ولا حرج . ذلك أن أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله دعا منذ اللحظة الأولى للعدوان الى وقفه، وعملت الحكومة جاهدة سياسيا ودبلوماسيا وماديا على معالجة تداعياته في الداخل وفي الخارج على السواء، لكن الأمر انقلب رأسا على عقب بعد انتهاء الحرب لتتحول 7-7- حكومة المقاومة السياسية ” الى حكومة ” خائنة ” و” عميلة” و”متواطئة”، ولتصبح النقاط السبع التي صاغها السنيورة ووافق عليها كل من بري ونصرالله مجرد بنود في قرار أميركي اسرائيلي، هو قرار مجلس الأمن الرقم 1701، فرض على لبنان وعلى المقاومة بالتواطؤ … ولكن أساسا، كما يقول نصرالله، تغطية لهزيمة المعتدين من جهة وهزيمة المتواطئين معهم من جهة ثانية ! .
أكثر من ذلك، فاذا بمقولة همايونية عن هدف للعدوان ( تهجير الشيعة من الجنوب ) تجد بين قادة “حزب الله” من يتبناها ويرددها في خطاباته، لتصبح عودة النازحين من القرى والبلدات التي استضافتهم في أثناء العدوان ردا على هذا الهدف واجهاضا له .. مع ما قد يعنيه ذلك من أن الاستضافة نفسها تصلح ( في حمأة الاتهامات المتطايرة هنا وهناك ) لتكون أحد عناصر الهدف المزعوم !! .
وماذا عن مسرحية الـ ” لا” المستمرة منذ عام ونصف العام ؟ . ز لا بحث برئاسة الجمهورية قبل استقالة الحكومة ( ولو بنصف ساعة، كما قيل )، ولا جلسة لمجلس النواب بحضور هذه الحكومة، ولا عودة للوزراء المستقيلين أو مشاركة في الحكومة الا مع الثلث المعطل ( جرى تهذيب الكلمة لاحقا الى الثلث الضامن أو المشارك )، ولا نصاب لجلسة انتخاب الرئيس الا بالثلثين، ولا رئيس الا العماد ميشال عون، ولا .. ولا .. حتى اذا أعلن ان استقالة الوزراء لم تقبل، وأن الغالبية مستعدة لاعطاء المعارضة ثلث مقاعد الحكومة على أن يكون التعطيل في يد من وصف ب”وزير ملك “، تم رفض العرض . واذا قيل ان نصاب جلسة الانتخاب نقطة اجرائية يمكن تجاوزها عندما يكون البلد مهددا بالفراغ، جاء الرد بأن الفراغ أفضل للبلد من بقاء هذه الحكومة أو المجئ بحكومة مماثلة . واذا قيل ان الدستور يحصر سقوط الحكومات أو اقالتها في مجلس النواب وليس في الشارع، كان الجواب أن اكثرية هذا المجلس هي 7-7- اكثرية وهمية “، حتى اذا قيل ان هذه هي الديموقراطية بمعنى تداول السلطة وان موعد الانتخابات النيابية المقبلة قريب، جاء الرد بالدعوة الى انتخابات مبكرة … ولا يكلف أحد في المعارضة نفسه مغبة السؤال : بموجب أي قانون تجري الانتخابات المبكرة، ما دامت الحكومة المؤهلة وحدها لوضع قانون انتخابات “غير شرعية وغير ميثاقية وغير دستورية” ولا يتسلم مجلس النواب أيا من قراراتها أو مشاريع القوانين التي تقترحها ؟! .
وحكاية المبادرات العربية والدولية، بدورها، حكاية تروى .. من محاولة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الأولى، الى مشاركته مع عدد من الوزراء العرب في المرة الثانية، الى انتدابه أخيرا مزودا بقرار اجماعي، وواضح، ومحدد الأولويات، من مجلس وزراء الخارجية العرب . وعندما وصف القرار العربي بأنه غامض، بل وفيه “غموض بناء” وفق البعض، وقدم موسى تفسيره للقرار، أطلقت على الأمين العام للجامعة تهمتان في وقت واحد : الانحياز الى الأكثرية مرة، وعدم معرفة اللغة العربية مرة أخرى . كذلك هي حال المبادرة الفرنسية، المدعومة أوروبيا وأميركيا، والزيارات الثماني للوزير برنار كوشنير الى بيروت، فضلا عن نقل ممثلين عن الأكثرية والأقلية الى احدى ضواحي باريس . حتى اذا أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي 7-7- اقفال الخط 7-7- مع دمشق، واذا مع حلفائها في بيروت، لم يتوان أطراف في المعارضة عن اطلاق النكات السمجة عن “طفولية” كوشنير في السياسة وعن “استعجال” ساركوزي تحقيق انجاز سياسي دولي له لم يسمح به صديقه الأميركي جورج بوش !! .
وعمليا فبين هذه المبادرة وتلك، بقي كل شيء على حاله في لبنان : فراغ في الرئاسة، وثلث معطل لا يفهم أحد سببا له ما دامت القرارات الحكومية تؤخذ غالبا بالتوافق، ودعوات متكررة لانتخاب رئيس يقطعها تعطيل متكرر للنصاب … ولكن مع تهديد شبه يومي بأن 7-7- المبادرة 7-7- ما تزال في يد المعارضة وأنها لن تتحدث عنها بل ستقوم بها ميدانيا عندما يحين الموعد !! .
ولكن متى يحين هذا الموعد ؟! .
يبدو، بعد اعلان العماد سليمان “مرشحا توافقي” وتطويقه من المعارضة بشروط مسبقة ليس مقبولا أن يوافقها عليها أحد، أن الموعد الموعود قد حان أو أنه يوشك على ذلك .
لماذا، وكيف ؟! .
سؤالان مطروحان بقوة، الا أنه عندما تصبح المؤسسات الدستورية كلها ( رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب ) مشلولة وتبقى مؤسستان اثنتان فقط، هما الجيش وقوى الأمن، قادرتين على الحد من وتيرة انهيار الدولة وتحولها الى غابة بكل ما تعنيه هذه الكلمة، فلا شك في أن ما تشهده البلاد حاليا ويستهدف هاتين المؤسستين تحديدا يرسم أكثر من علامة استفهام كبيرة .
وأيا تكن ملابسات مجزرة الشياح مار مخايل، وما سبقها من اغتيال مرصود الهدف لقائد غرفة العمليات في الجيش اللواء فرنسوا الحاج وللضابط المميز في قوى الأمن الرائد وسام عيد، فالاعتداءات والاستفزازات المتكررة لمواقع الجيش ودورياته في أكثر من مكان من العاصمة وضواحيها لا يمكن أن تكون “عفوية” ( الوصف الدائم للتظاهرات ) ولا”ثأرية” ( على عادة عائلات بعض الضحايا ) ولا أخيرا موجهة فقط ضد قائده 7-7- المرشح التوافقي 7-7- بعد أن بات هذا الترشيح موضع اعادة نظر من قبل المعارضة .
مؤسسة الجيش، بعد مؤسسة قوى الأمن التي نالت في السياسة ما نالته قبل استهدافها أمنيا، هي الهدف في دورها في توطيد الأمن في الجنوب وعلى مستوى الوطن أولا ثم في الوحدة داخلها وبين صفوفها بعد ذلك .
ألم يقل الرئيس نبيه بري، في سياق تحذيره من “الشرالمستطير”، أن مؤسسة الجيش ستكون عصية على الشلل بينما مؤسسة قوى الأمن ستكون أول من يصيبه هذا المرض ؟! . وهل دخلت البلاد فعلا في غياهب ما حذر منه بري ؟! .
ما سبق ليس اتهاما لأحد بالذات، ولا هو”جردة حساب” يتم فيها احتساب الأرباح والخسائر لهذا الطرف أو ذاك لأن أحدا في لبنان ( مع احترام الأحلاف الاستراتيجية مع دول الممانعة ) لن ينال أية أرباح من اغتيال البقية الباقية من مؤسسات الدولة، فضلا عن أن تكون مؤسساتها الحامية للوطن من الاعتداء وللمواطنين من الفوضى وشريعة الغاب .
ما سبق “جدول بياني” يمكن من خلاله، لمن لا تسعفه الذاكرة وحتى لمن لا يريد أن يتذكر، رصد وتيرة الانهيار التي أوصلت البلاد الى ما هي عليه الآن … وكذلك رصد ما قد تشهده في الفترة المقبلة .
فالقضية قضية وطن يبقى أو لا يبقى، وليس أي شيء آخر مما يقال عن المشاركة أو الرئاسة أو الثلث المعطل أو حتى عن المقاومة والمشروع الأميركي للمنطقة