طلائع التحقيقات تشفي غليل ذوي الضحايا الشهداء ورفض استهدافات الجيش الوجه الآخر لحماية الاستقرار
هدفان للدبلوماسية الصامتة: إبعاد الكأس الأمنية وإحياء المبادرة العربية
حسين سعد
هدفان للدبلوماسية الصامتة: إبعاد الكأس الأمنية وإحياء المبادرة العربية
حسين سعد
شفا ما جاء في القرار القضائي الأولي، الذي صدر عن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، والقاضي بتوقيف عسكريين ومدنيين وملاحقة مشتبه بهم، وإطلاق موقوفين أنفس ذوي الضحايا الشهداء الذين سقطوا، في ذلك اليوم الأسود، قبل أسبوع، والذي سيدخل التاريخ كمحاولة فاشلة لاستئناف الحرب في لبنان، من تلك المنطقة الأكثر حساسية سياسياً، وطائفياً، وتاريخياً، والتي فيها ومنها يرسم مصير البلد واستقراره·
لكن التقرير، على الرغم ممّا حمله من جدية القيادة العسكرية اللبنانية، والتزام القضاء اللبناني العسكري والعدلي، بما وعد به من الإسراع بإنجاز التحقيق بعيداً عن الضغوط، وبمنتهى الحرفية والشفافية لم يبرئ (لم يشفِ) الأزمة السياسية من “الوعكة الصحية” التي لحقت بها من جرّاء “الاشتباك الدامي” على تخوم الشياح – عين الرمانة، وفي مار مخايل، على وجه التحديد، والتي أصابت على نحو أو آخر “المبادرة العربية” التي ينتظر الوسيط عمرو موسى استكمال الاتصالات العربية واللبنانية لتحديد موعد مجيئه الى بيروت، في وقت يجب ألا يتعدى الأيام القليلة المقبلة، وبالضبط قبل الإثنين المقبل في الحادي عشر من شباط الجاري، وهو الموعد المبدئي لجلسة جديدة لانتخاب رئيس للجمهورية، هو العماد ميشال سليمان·
ولكن هل يمكن للمسار الذي خرج به الاجتماع الثاني الأحد الفائت في 27 كانون الثاني الماضي، والذي قرّر في البند الأخير إبقاء الحالة قيد النظر والاجتماعات مفتوحة أن يدخل حيّز التنفيذ؟ لا يمكن للإجابة أن تخرج عن سياق التطورات السياسية التي نجمت عن “الحوادث الأمنية” المفتوحة من “الأحد الدامي”:
1 – أوقفت المعارضة، بكل أطرافها الرئيسية، حزب الله، حركة أمل، التيار الوطني الحر النقاش حول الرئاسة، وحول البند الثاني المتعلق بالنسب والحصص الوزارية داخل الحكومة المسماة حكومة الوحدة الوطنية، وهذا التجميد هو بالطبع على حساب الوقت المخصص للتحرك العربي من اجل استثمار الوقت لمصلحة تسويق المبادرة العربية، وهذا عنصر سلبي في مجمل المساعي الدبلوماسية والسياسية· 2 – اطلاق النار، من قبل أطراف المعارضة على الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، وتصويره كمفوض، يسعى وراء المال، و”التهزيء” بدوره ومهمته، وفي ذلك رسالة اعتراض على عودته، وإشارة بعدم التسهيل·
3 – اسقاط الوزير السابق سليمان فرنجية، زعيم تيار المردة الشمالي نقاطاً من مستوى الوضعية التوافقية للعماد سليمان، وقوله مساء السبت الماضي لقناة الجزيرة الفضائية القطرية، أن قائد الجيش بات بالنسبة إليه “أقل توافقياً”· وهذا الموقف، على ما فيه من دبلوماسية وصراحة، يحمل رسالة أشد وضوحاً بأن “الفريق الماروني” في المعارضة بات أقل قبولاً للرئيس التوافقي، مما يعني بوضوح أن موقف فرنجية، بامتداداته المعروفة، يعني أن البند الأول من المبادرة العربية بات بحاجة الى توافق جديد، أو إعادة إحياء التوافق حوله·
4 – على أن الأخطر، أمنياً، تلك الاستهدافات الليلية المشبوهة لمواقع ومراكز وعناصر الجيش اللبناني، والمرفوضة رفضاً باتا، والتي إن دلت على شيء، فهي تدل على استهداف لدور المؤسسة العسكرية في حماية الأمن والاستقرار، ولعل الأمر الخطير في ما يجري على جبهة الاستهدافات الليلية أنه جاء زمنياً غداة أحداث الشياح الأمنية، في محاولة يسعى الذين يقفون وراءها لتوليد حالات من الشبهة والعداء بين الجيش الوطني اللبناني والمحيط الشعبي الذي يتواجد فيه، في احدى اكثر المناطق حساسية في الجغرافيا البشرية اللبنانية·
5 – ومهما يكن من تأثير تلك الإشكالات المتنقلة على جهات أخرى من المزرعة الى البسطة فدوحة عرمون، بين عناصر من قوى المعارضة وأخرى من قوى الموالاة، فهذا يعني توتيراً أمنياً، مقلقاً، يجعل من الوضع السياسي الهش مفتوحاً على شتى الاحتمالات التي ليس أقلها إدخال البلد مجدداً في دوائر “الحرب الساخنة” بعد أكثر من سنة وبضعة أشهر من “الحرب الباردة”·
تعني هذه المعطيات، الموضوعة أمام أمين عام الجامعة، أن المبادرة العربية نفسها باتت في “مرمى النيران اللبنانية” التي تشتعل وتنطفئ على وقع حركة الاتصالات الناشطة بين العواصم العربية والأجنبية لرؤية ما يمكن القيام به، لإعادة الحياة الى المسعى العربي، ومن ثم إعادة الحياة الى الحركة السياسية اللبنانية، لاحتواء التصعيد والتأزيم، وإبعاد شبح الأوراق الأمنية عن المسرح السياسي وفاقاً كان أو اختلافاً·
من النتائج المفترضة للتحقيق الذي التزمت به قيادة الجيش ووفت بالتزاماتها إعادة الثقة بين الجيش وعناصر وجمهور الضاحية والمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة على مستوى النفوذ السياسي والغالبية السكانية، وهذا الأمر ليس من الصعوبة، غير أن تحققه بات رهن قرار سياسي كبير، يسعى اليه الرئيس نبيه بري، ويتلخص بكلمتين: إعادة الثقة للجيش ودوره الحاضن للأمن الوطني والانتظام العام في البلاد· وهذا الموقف على أهميته، والذي يلتقي مع الحكومة ورئيسها على وجوب تبنيه، يحتاج الى إقناع الأطراف الأخرى بالمعارضة، بالحاجة الملحة إليه، بصرف النظر عن مجرى الوساطة، أو الوساطات القائمة على المسرح السياسي· ومع المواقف التي صدرت يوم أمس، سواء في أسبوع الشهداء الضحايا أو قداس الصلاة على نية “الوحدة والسلام”، بات أن ثمة حرصاً على الجيش اللبناني ضباطاً، ورتباء وجنوداً وقيادة، من أجل أن يبقى حارس الأمن الوطني لكل اللبنانيين، وفي كل المناطق· وهذا تطوّر من شأنه تبريد النفوس، تمهيداً لتبريد الساحة ككل، والعودة من ثم الى البحث في التسوية·
من الثابت لدى كل المعنيين بالمبادرة العربية، ان طلقات بيروت أصابت منها، في ظل مناخ سياسي منعدم الثقة، وتبدو فيه القضايا المثارة تتعدى الرغبة بالتوصل الى حل، بقدر ما تحمل في طياتها كل تعقيدات الوضع العربي، ومحورية الصراعات الجارية في المنطقة، على خلفية الخلافات الدولية – الاقليمية، والصراعات المحتدمة حولها في كل النقاط الساخنة من آسيا الى افريقيا·
من هذه الزاوية بالذات، تتحرك المساعي بواسطة “الدبلوماسية الصامتة” باتجاهين:
1 – الاتجاه الأول منع تفاقم الأمور، وفي هذا الإطار ثمة رهان جدي على الاتصالات المصرية – الايرانية، والسعودية – الايرانية لمنع الأطراف من ركوب المركب الأمني الخشن، واستسهال العبث بالاستقرار·
2 – والاتجاه الثاني تحريك الاتصالات مع دمشق، وتتولاها قطر والأردن عربياً، وطهران اسلامياً، وموسكو اوروبياً ودولياً من أجل تذليل الملاحظات السورية، وتشجيع إحياء المسعى العربي، الذي تعرّض لانتكاسة·
ولعل الأسبوع الطالع، الحافل بالحركة، سيرسم مستقبلاً قريباً، وربما بعيداً لمصير التسويات، بعيداً عن تلك الإسقاطات الصحيحة أو الزائفة عن أزمة طويلة، أو مستقبل أمني يأخذ الى التدويل أو التعريب والتدويل معاً!·