فنون الاحتراق !
راجح الخوري
يعرف عمرو موسى تماما مثل كثيرين في لبنان، وحتى في بعض الدول العربية، ان عودته الى بيروت لن تخرج هذه المرة ايضا عن قصة “حُنين” الذي يعود دائما حاملا خفي” الخيبة.
واذا كانت “المبادرة العربية” في صيغتها الاولى قد واجهت جدارا مقفلا في بيروت وأعيدت الى وزراء الخارجية فأعادوا تظهيرها وفق سبعة بنود لم تتمكن من ازالة العقد المستحيلة التي تواجه الحل لجهة شكل الحكومة الجديدة، فان ما حصل في بيروت وبالتزامن مع اجتماع الوزراء في القاهرة يوم 27 كانون الثاني الماضي، ضاعف عملياً من العراقيل والعقد التي ستؤدي حتما الى احباط المبادرة العربية، وربما الى ما هو ادهى، اي الى ان ينفض العرب ايديهم من الوساطات والمساعي بعدما فشلوا تكرارا في دفع اللبنانيين الى التفاهم منذ عام ونيف.
في 27 من الشهر الماضي حصلت الاحداث الدموية المؤلمة في منطقة مار مخايل، وفي اليوم عينه دعا وزراء الخارجية الى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية في 11 شباط ثم الدخول في التسوية.
واذا كان واضحا ومفهوما ان دخان الاطارات المشتعلة في بيروت تحت شعارات مطلبية مفهومة ومحقة ولكن أُريد لها سياسيا وعبر تأجيج مشاعر النقمة من الوضع الكهربائي ان تصيب اجتماع القاهرة بمس من الخوف والحذر على الوضع اللبناني، وخصوصا في ظل انقسام العرب الى جماعة 14 آذار وجماعة 8 آذار، فإن النتائج كانت واضحة تماما:
إبقاء الغموض مهيمنا على البند الثاني من المبادرة، اي الحصص الحكومية، في حين ان واقعة مار مخايل سرعان ما تكشّفت سياسيا، وقبل جلاء التحقيق، عن رغبة متزايدة لدى المعارضة بسحب صفة التوافق عن قائد الجيش، وهو ما يؤدي عمليا الى اسقاط “المبادرة العربية” والعودة الى المراوحة فوق سطح الازمة التي تعطل البلاد منذ سنة وشهرين.
ولان منطقة مار مخايل تذكر اللبنانيين بحقبة مليئة بالاحداث البغيضة والمجنونة التي شهدوها على امتداد حروب 1975، فان كثيرين تنفسوا الصعداء عندما اظهرت التحقيقات ان كل ما قيل عن قنص يهدف الى التحريض والايقاع بين الجيش والمتظاهرين، انما كان نتيجة مراهنات مؤسفة لا بل مجنونة لم تلبث ان سقطت، ليحل في محلها كلام مؤسف عن مراهنات على فك التفاهم بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”. وهو وإن يكن موجودا في تمنيات البعض سياسيا الا ان هذا البعض لم يكن له اي يد او اصبع في تحريك المتظاهرين او في ما شهدته بعض اطراف عين الرمانة من عراضات وتعديات!
ولان قطوع “الاحد الاسود” مر من دون ان يشتعل البلد بالجنون، وهو يقف فعلا على عتبة هذا الجنون، فان وتيرة العمل السياسي نشطت في اتجاهين:
? اولا: المضي في إحراق العماد ميشال سليمان كمرشح توافقي رئاسي.
? ثانيا: المضي في احراق “المبادرة العربية” عبر القول ان الامين العام للجامعة العربية ليس توافقيا (!).
بمعنى ان سعادته يجب ان يكون له عقل توافقي يُخضع النص العربي الى قواميس المعارضة ومعاجمها!
وامام هذا لم يعد اللبنانيون ولا غيرهم يعرف الفرق بين المبادرات والاطارات، لان الاولى كالثانية قابلة للاشتعال والاحتراق لانها من كاوتشوك بل لان النيران قوية ومتأججة وهناك من يسهر عليها من وراء الحدود كي تبقى أتوناً يحرق كل شيء بما يعيد لبنان ساحة للنار من الجنوب الى الشمال.
ولا حاجة الى التوضيحات والقرائن، يكفي ان يتابع المرء الاستعراض لكي يعرف تماما ان كل ما يحصل ليس اكثر من “تفاصيل صغيرة” في المعركة الاستراتيجية الكبيرة التي يفترض ان تقرر مستقبل لبنان وهويته وموقعه واصطفافه، وهل يكون ساحة لإلحاق الهزيمة بالاميركيين كما تريد ايران وتعلن صراحة؟
واذا كان هناك من يحقق في نيران مار مخايل فإن نيران السياسة لا تقبل التحقيق، بل تتأجج الآن لتلتهم قائد الجيش بما ينعكس سلبا على المؤسسة ومعنوياتها ولتلتهم عمرو موسى ايضا، بما يغلق الابواب على المبادرات والوساطات ويطلق العنان للعصفورية اللبنانية.